دعوة الحق، س 3، ع 10/ يوليوز 1960 .................. ص53
محمد عبده الكاتب، بمناسبة مرور50عاما على وفاته
للأستاذ أنور الجندي
" إنما ينهض بالشرق مستبد عادل، مستبد يكره المتناكرين على التعارف ويلجئ الأهل إلى التراحم ويقهر الجيران على التناصف، يحمل الناس على رأيه في منافعهم بالرهبة أن لم يحملوا أنفسهم على ما فيه سعادتهم بالرغبة، عادل لا يخطو خطوة إلا ونظرته الأولى إلى شعبة الذي يحكمه فان عرض خط لنفسه فليقع دائما تحت النظرة الثانية فهو لهم أكثر مما هو لنفسه، يكفي لا بلاغهم غاية لا يسقطون بعدها خمس عشرة سنة وهي سن مولود يبلغ الحلم يولد فيها المفكر الصالح وينمو تحت رعاية الوالي الصالح ويشتد حتى يصرع من يصرعه، خمس عشرة سنة يثني فيها أعناق الكبار إلى ما هو خير لهم ولا عقابهم ويعالج ما اعتل من طباعهم بأنجع أنواع العلاج ومنها البتر والكي إذا اقتضت الحال، وينشئ فيها نفوس الصغار على ما وجه العزيمة نحوه ويسدد نياتهم بالتثقيف وهل يعدم الشرق كله مستبدا عادلا في قومه يتمكن به العدل أن يصنع في خمس عشر سنة مالا يصنع العقل وحده في خمسة عشر قرنا"
*
هذا هو أسلوب تفكير محمد عبده وهو أسلوب منظم يدل التعمق في فهم نفسيات الشعوب وتطور الحياة الاجتماعية وولادة النهضات وشيخوختها.
وقد بدأ محمد عبده حياته الفكرية (مصاحفا) يكتب في الاهرام 12 أغسطس1876 ثم راس تحرير الوقائع المصرية وحرر العروة الوثقى وغيرها من الصحف المعاصرة.
وفي أول مقام له إلى الأهرام تتبين مقدرة الكاتب الشاب وهو مقال - كما يقول الدكتور إبراهيم عبده- يدل على علم أصيل ويعطي صورة بديعة عن قدرة بعض أدباء العصر على التعبير في سجع مطبوع.
و مقالات الشيخ محمد عبده في الأهرام كان معظمها تلخيصا لمحاضرات السيد جمال الدين الأفغاني وكانت تشغل مساحات كبيرة من إعداد متصلة (من 2سبتمبر1876/ 11مايو1877) وهو بذلك أول من كتب ملخصات للمحاضرات في الصحف.
ثم اختير مشرفا على تحرير الوقائع عام 1879 فنشر فيها مقالات ممتازة واستكتب فيها جيلا جديدا من شباب الكتاب من بينهم عبد الكريم سليمان وسعد زغلول وإبراهيم الهلبادي.
وقد اتجه في تحرير الوقائع إلى المسائل الاجتماعية وقد عرف أسلوبه بالبساطة والهدوء والتحليل دون مبالغة أو اندفاع مما يمكن أن يوصف بأنه من الأدب الواقعي.
وفي خلال توليه منصب مدير المطبوعات كان يتشدد مع محرري الصحف في ضرورة النهوض بالتحرير حتى أنه انذر مدير جريدة شهيرة بتعطيلها إذا لم يتخير لها محررا صحيح العبارة في حد عينها.
وقد نشر في الوقائع بضعة وثلاثين مقالا تناول فيها أحوال البلاد، ودعا إلى الترقي وإقامة النهضة على أسس ثابتة.
وفي عام 1884 أصدر مع أستاذه جمال الدين الأفغاني في باريس جريدة (العروة الوثقى) حيث صدر العدد الأول منها في 12 مارس 1884 فانزعجت لصدورها بريطانيا ومنعتها من دخول الهند ومصر، ولم تستطع الجريدة أن تصدر أكثر من ثمانية شهور،