تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

في هذه المدرسة لأستاذين عظيمين من نجب المذهب المالكي.

أول هذين الأستاذين، عبد الرحمن بن القاسم، وقد درس على مالك نفسه، وصحبه زمنا طويلا، وكان قبلة المغاربة و الأندلسيين في حياة مالك وبعد موته، ولم يكن يحيى وحده من المع تلاميذه، بل كان منهم أيضا من هو أكثر شهرة وذيوعا في العالم الفقه، أبو سعيد عبد السلام بن سعيد بن حبيب التنوخي، المعروف باسم سحنون فقيه المغرب العظيم، كان ابن القاسم يملي على طلابه ما عرف بعد باسم المدونة، فقد تلقاها عنه أسد بن الفرات، احد فقهاء المغرب الكبار، فأضاف إليها وهذب فيها، وعنه تلقاها سحنون، فعاد بها إلى مصر، وأعاد عرضها على ابن القاسم بالنسبة لمالك مجرد طالب فحسب، يلتقي عن أستاذه ويعي رأيه، وإنما كان يتفهم ويقيس ويتصرف، ويخالف أستاذه أحيانا فيما ارتأى.

ماذا سمع يحيى من أستاذه المصري؟

تقول رواية الديباج المذهب، انه سمع منه مسائله، وحمل عنه عشرة كتب وكتب سماعه27، ويقول ابن الفرضي" أن يحيى رأى ابن القاسم فدون سماعه من مالك، ثم رحل إلى مالك ثانية ليسمع منه ما دونه ابن القاسم، فالقاه عليلا، فأقام عنده إلى أن توفى فحضر جنازته، وعاد إلى ابن القاسم ليسمع منه سماعه عن مالك، وسأله عن العشرة"28

الرواية إذن تتحدث عن سماع ابن القاسم، دون تحديد له باسم أو كتاب، إذ يبدو أنه حتى ذلك الوقت لم يكن قد دون بطريقة منظمة تجعل منه موضوعا محددا ذا عنوان، أما الكتب العشرة، فليست إلا أبوابا من كتاب، فقد كان لفظ " كتاب" يطلق في العصر الأول على ما اصطلح على تسميته فيما بعد باسم "باب" وهو يستخدم بكثرة في مؤلفات ذلك العصر، فيقال "كتاب الطهارة" أو كتاب الصلاة" وقد صرف النظر عن هذا الاصطلاح، حينما انتشر الورق، وعمت الكتابة، بفعل النسخ أو ابتدع الطباعة، فأصبح اصطلاح كتاب يطلق على ما يضم بين جلدتين، واحدا كان الموضوع الذي يناقشه أو متعددا.

ما هو الفارق بين مسائل ابن القاسم وسماعه والكتب العشرة؟.

فيما يبدو لي، السماع كان رواية ابن القاسم لما سمع من مالك، أمينة دقيقة خالصة، على حين أن المسائل تخريج وتطبيق لما سمع، على ما رأى وما سئل عنه وما أفتى فيه، فهي أمور فيها من شخصيته ومن فهمه الشيء الكثير، وأما الكتب، فلعلها فصول من الموطأ أو من المسائل أكمل تنظيمها وتدوينها، فلا يتلقاها الطلاب شفاها، وإنما ينقلونها عما دونت فيه، ولم يشر مرجع واحد عن ماهية الكتب العشرة التي نقلها يحيى عن ابن القاسم.

وأما الأستاذ الثاني ليحيى في مصر فهو: أبو محمد عبد الله بن وهب، كان كمواطنة تلميذ لمالك، وله من الشهرة ما لزميله، وله روايتان للموطأ، أحدهما موسعة تحمل اسم "الموطأ الكبير" والأخرى مختصرة تحمل اسم الموطأ الصغير، ولكن واحدة من الروايتين لم تصل إلينا، وقد سمع يحيى من ابن وهب موطأه، وهو ما تذكره المراجع صريحا، وان اقتصرت رواية المقري على ان يحيى سمع من ابن وهب دون تحديد.

*

وبعد ...

فأحسب أننا قد أعطينا صورة واضحة لمدارس الشرق التي أرتادها يحيى، وصورة مجملة لنشاطه هناك، وهما صورتان كلتاهما توضح الأخرى، وتنيران ما أبهم من سيرته وترفعان ما قد يتفشاها من لبس وإبهام.

وسندع صاحبنا هنا في مصر تلميذا، قد استوعب فقه عصره، واسترعى نظر شيوخه، لنلقاه هناك ... في الغرب الإسلامي، في الأندلس، على الضفة اليسرى للمضيق

"للبحث صلة "

27 ابن فرحون: الديباج المذهب ص350

28 ابن الفرضي: تاريخ علماء الأندلس، ترجمة رقم 1554.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٦١٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٦١٨