تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يمنع، وليس ثمة ما يجعلنا نرفع هذا الفرض إلى مرتبة اليقين، وأياما كان الأمر فقد اتجه يحيى إلى مصر، وكان له فيها نشاط عظيم، يستحق أن نقف عنده هنيهة، وان نتأمله وئيدا، فقد أصبحت مصر منذ دخول العرب إليها مركزا علميا، كما هي مركز سياسي هام في المملكة الإسلامية، وقد اتصفت الحركة العلمية فيها عند بدئها، بنفس الطابع الذي اتصفت به في المراكز العلمية الأخرى، في مكة أو المدينة، فكانت الدراسة كلها تدور حول العلوم الدينية وما يتصل بها، ولا صلة لها بما هو فلسفي جدلي.

كان أساس المدرسة المصرية هم الصحابة الذين نزلوا بها، فقد عاش بها منهم عمرو بن العاص وابنه عبد الله، وكان الابن من أكثر الناس حديثا عن الرسول واسع الاطلاع في مناح أخرى من العلم، فكان يقرا التوراة ويعرف السريانية، دائم الرحلة بين مكة والمدينة والشام ومصر، حاجا او معتمر أو زائرا، وقد واصل رسالته من بعده، يزيد بن أبي حبيب، وهو نوبي الأصل من دنقلة، عرف بالفقه والتعمق فيه حتى قال عن السيوطي:" أنه أول من أظهر بمصر علم المسائل في الحلال والحرام، وكان من قبل ذلك يتحدثون في الترغيب والملاحم والفتن26.

وفي مصر أيضا، أسس الليث بن سعد، وهو مصري المولد فارسي الجنس، مذهبا مستقل، وكان الليث نسيج وحده بين الفقهاء، إذ كان غنيا سريا، حتى قيل إن دخله من أملاكه في الجيزة كان يبلغ 5 ألاف دينار في العام، فأتاح له هذا سهولة الرحلة لطلب العلم، فرحل إلى العراق وسمع من علمائه، ورحل إلى الحجاز، وكان غزير العلم عدلا، يثق المحدثون بأحاديثه كل الثقة، وكان إلى جوار ذلك، يتقن اللغة، واسع الدراية بالنحو والشعر، وكان الإمام أحمد بن حنبل يشهد له فيقول فيه "ما في هؤلاء المصريين أتبت من الليث ... ما اصح حديثه".

أما قدرته الفقهية فكانت بالغة، فهو من المجتهدين، ومن مؤسسي المذاهب، ويقرن بمالك في علمه، وكان الشافعي يرى فيه انه افقه من مالك، ولو سانده المصريون وتعصبوا له، لحفظوا لنا على الأقل مذهبه، ولكن الليث لم يرزق بتلاميذ كما رزق أبو حنيفة بابي يوسف ومحمود بن الحسين، وكما رزق الشافعي بالبويطي والمزني، كما رزق مالك بابن القاسم وسحنون، ومن هنا ضاع مذهبه، واندثرت آثاره، ولم يبق لنا منها إلا رسالة صغيرة يناقش فيها مالكا رأيه في العمل بإجماع أهل المدينة، وقد طلبه أبو جعفر المنصور للقضاء فأبي، ولكنه لم يلتمس في أبائه تعاليا، ولم يصطنع لنفسه تمضضا، وإنما رفضه بأضعف ما فيه، وأقواه في نفس الوقت" ... لا أمير المومنين، إني أضعف من ذلك، إني رجل من الموالي".

ذلك هو الفقيه العظيم الذي لقيه يحيى في رحلته وتتلمذ عليه، ولقد تأثر به، وسنرى فيما بعد، أنه عدل عن أراء لمالك، اتبع فيها مذهب الليث.

وقد لعبت مصر دورا ملحوظا في نشر المذهب المالكي، وبخاصة في المغرب، كانت إحدى مراكز المالكية الهامة، وبها استقر عديد من نبهاء تلاميذ مالك، ينشرون مذهبه، ويفقهون المسلمين على طريقته، وكانت أهم محط لقوافل حجاج المغرب الإسلامي في طريقها إلى مكة، فكان أول تأثير ثقافي الإسلامي في طريقها إلى مكة، فكان أول تأثير ثقافي يلقاه الحجيج الأندلسي والمغرب يأتي منها، فيتعلمون أو على اقل تقدير يهيئون نفسيا لاستقبال المذهب الجديد، فإذا قدموا مكة، أو رحلوا إلى المدينة كانوا قد تهيئوا لرؤية مالك، وليأخذوا دورهم في أداء رسالته، وربما توقف بعضهم في مصر، فيكتفي بما تلقى ويعود، وهو أمر يبدو واضحا بعد وفاة مالك مؤسس المذهب.

ليس ذلك وحده، بل لنا أن نزعم أن قوافل التجارة التي كانت تهبط مصر للمبادلة أو التجارة، لم تكن بمنأى عن هذه الدراسة، وإنها كانت تأخذ منها بنصيب قل أو كثر، الأمر الذي لم يتأت لمذهب أخر، وليس ثمة شك في آن المذهب الحنفي إذ ذاك لو كان له في مصر من العمد والأنصار، ومن الذيوع والانتشار، ما كان للمذهب المالكي، لوجد طريقه ممهدا إلى الغرب الإسلامي، لعله ربما لعب نفس الدور الذي لعبه المذهب المالكي.

في مدرسة مصر المالكية تعليم يحيى، وربما كان تأثيرها عليه أقوى ما تعرض له من تأثير، وقد تلمذ

26 جلال الدين السيوطي: حسن المحاضرة في إخبار مصر والقاهرة ج1ص163 طبعة القاهرة 1883م لمعرفة الدور الذي لعبته مصر في تاريخ إحداث الأندلس والمغرب انظر مقالا قيما للدكتور محمود على مكي، في صحيفة معهد الدراسات الإسلامية بمدريد تحت عنوان:

Egipto y La historiografia arabigo-espanol, Vol.7 P158

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٦١٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٦١٧