كانت بعد موت الليث بما يقارب الأربعة أعوام، فإذا افترضنا أنها كانت أثرا للقاء الذي تم بين يحيى والليث في مطلع رحلته، فذلك منقوص بأنه لقي بعده مالكا في رحلته الأولى.
وحضور يحي لجنازة مالك، يدحض رواية متداولة مشهورة بين مالكية المغرب، هيأن يحيى سأل مالكا عن زكاة التين، فأجاب مالك لا زكاة فيه، عملا بالقاعدة التي تقرر أن الزكاة فيما يدخر، فرد يحيى: ولكن التين تدخر عندنا، ونذر أن وصل إلى الأندلس أن يرسل لمالك سفينة مملؤة تينا، فلما وصل أرسلها، فلما بلغت المدينة إذا بمالك قد مات24
الموطن الثاني لدراسة يحيى في الارض المقدسة كان مكة ...
لقد كانت هدف الحجيج وما زالت، وكان لها في ذلك التاريخ مدرستها الخاصة بها، ومن ينكر أنها كانت مسرح حوادث الاسلام الاولى؟ بها نزل التشريع المكي، وفيها نشأ النبي، وفي مجامعها ارتفعت أول دعوة للتوحيد، وبين شعابها تردد صدى الداعي الجديد، ومما يساعد على فهم الإسلام أن تعرف الملابسات والأجواء التي أحاطت به وليدا، وغدته رضيعا، وأظلته فتيا، يشق طريقه قسرا في الحياة، وبعض تأثير هذا الغداء بقي واضحا ملموسا فيما خلف لنا من تشريع.
بلى، لم تكن مكة علميا في مستوى المدينة، لان أشهر من أسلم من أهلها هاجر مع النبي، ولان مركز الثقل في الدولة الإسلام قد انتقل إلى الأخيرة، حين اتخذها النبي مهبطا وملجأ، وحين أصبحت العاصمة الرسمية للخلافة، طوال أيام الخلفاء الطيبين، حتى أن بعض المهاجرين كانوا يكرهون دينا أن يتحولوا من المدينة إلى مكة بعد وفاة النبي، ومع ذلك كله، فلم تحرم مكة من علماء كبار، لقد ترك فيها الرسول بعد فتحها معاذ بن جبل يفقه أهلها، وكان أفضل شباب الأنصار علما وحلما وسخاء، ومن أعلم الصحابة بالحلال والحرام، ومن أقرئهم للقران و بها انتهى مطاف عبد الله بن عباس في أخريات أيامه، بعد أن طوف بالبصرة،
وعلم في المدينة، فكانت له حلقة في البيت الحرام يختلف إليها الطلاب فيعلمهم التفسير والحديث والأدب، وأشتهر بمكة أيضا، مجاهد بن جبير، وعطاء بن رباح، وطاووس بن ذبيان، واليهم والى تلاميذهم يرجع الفضل فيما اشتهرت به مكة من علم واتجاه.
كان مقام يحيى بمكة فيما يبدو قصيرا ولعله لم يتجاوز مناسك الحج، وقليلا من الزمن ليتعرف إلى مدارسها وعلمائها، فليس يحيى هو الذي يهبط بلدا دون أن يغتنم كل وقته ليفيد من أهله علما، وليضيف إلى معارفه جديدا، إلا أن اختلافه إلى شيخ فقهاء مكة سفيان بن عيينة شيخ الشافعي، لم يترك في نفسه من الأثر ما ظهر بعد في حياته أو تفكيره، على حين أن لقاءه الليث بن سعد ترك في اتجاهه الفكري ملامح مدرسته، على الرغم من أن يحيى كان من عمد المالكية وحماتها في الأندلس25
-5 -
لم يحاول يحيى أن يتجه لما وراء مكة او المدينة شمالا، واحسب انه لم يدر بخلده ان يتجه الى بغداد او الكوفية أو البصرة أو دمشق، والرأي عندي في تعليل ذلك أن اتجاهه كان فقيها خالصا، وتلك أمصار كان طابعها الأعم الأغلب إذ ذاك، الأدب واللغة وما يتصل بهما، ثم بدأت تغشاها ألوان من النقاش والجدل والفلسفة، وصراع حول العقائد والقضاء والقدر، والجبر والاختيار، وهي أشياء مبغضة إلى الفقهاء بعامة، والى خريجي مدرسة المدينة بوجه خاص، وان يكن لها حظ من العلم بالتشريع والتصرف فيه، فحسبه انه راد النبع الأصيل. هل نلمح وراء ذلك توجيه أستاذه شبطون؟ ربما ...
ولكن ذلك التعليل وحده لا يكفي، فقد غشي يحيى حلقات الدرس في مصر، أمر سنعرض له فيما بعد على التفصيل، وتلقي عن علمائها رغم انه كان إن تلك الأمصار كانت تخب في السياسة وتضع، وتأخذ منها باوفر نصيب، فأحب أن يكون بمنأى عنها ليسلم له ضمير نقيا، وبخاصة انه قادم من بلد يمثل الشوكة الناغزة في جنب العباسيين؟ ليس ثمة ما
24 نفح الطيب ج2ص219.
25 نفح الطيب: ج2ص218و253،وجذوة المقتبس ترجمة رقم 908 والمغرب في حلى المغربج1ص163.