تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وذكي في إشعاع التعبير، فالأول عادة تكتسب والثاني فطري يجيء مع المرء، ولا حيلة له في دفعه أو في الحصول منه على أو في نصيب، وقد يكون المرء ذكيا جدا ولاشيء عنده من التعقل، وقد يكون محدود الذكاء ولكنه يملك من التعقل الشيء الكثير.

فالمراد "بالعاقل" في تعبير مالك، التخلص الإرادي من نزق الطفولة ومن طيش الصبا، واخذ الأمور بمأخذ الرجولة الكاملة، والنضج الذي يقدر للأمر قبل الخطو موضعه، فلا يخف أو يسف فى موضع يتطلب الرزانة والثبات، وهي صفة اثلت يحي في كل حياته فيما بعد، أنه أهل لها، وإنها تمثل من حياته الجانب الأظهر، أو التصرف الأكثر ورودا، عندما يطلب إليه الرأي والتدبير، أمر سنعود إليه فيما بعد، عندما نعرض لصفات يحيى، كرجل يعيش في جماعة، له حقوق وعليه واجبات نحوها والتزامات.

متة تمت رحلة يحي الى الشرق؟

لا تعرض المصادر التاريخية لتحديد وقت الرحلة وزمانها، وكل ما تشير إليه، أنه في رحلته الأولى لقي فيمن لقي من أستاذة آخرين غير مالك، لقي الليث بن سعد، فإذا عرفنا أن وفاة الليث كانت عام (175هـ-791م)، تأكد لدينا أن رحلة يحي كانت قبل ذلك التاريخ، ولكن الرواية التي أوردها ابن فرحون بأن يحي توفى عام 234هـ849م وأنه عمر اثنين وثمانين عاما، وأنه لقي الليث بن سعد لا تؤدي إلى هذه النتيجة16، إذ أنها تعني أن يحي وصل الشرق قريبا من عام (180هـ-796م)، في وقت يكون قد مضى فيه على وفاة الليث قريبا من أربعة أهوام، الأمر الذي لا يتأتى معه أن يكون قد لقيه ودرس عليه وتلقى عنه.

الواقع أن كل المراجع تجمع على ان يحي لقي الله في رجب من عام (234هـ-849م) 17 أو في عام 233 (18) على الشك بين التاريخين، واقتصر صاحب الديباج وحده في النص على أن يحيي عمر اثنين وثمانين عاما، ولم يعرض مرجع واحد للسنة التي ولد فيها يحي. كان أول من عرض لهذا الأمر من الباحثين المحدثين المستشرق الاسباني الأب خوسيه لوبث أورتيث José Lopez Ortiz في بحثه العميق الشافي على إيجازه "دخول المذهب المالكي إلى الأندلس" فقرر أن يحي يجب أن يكون قد رأى الوجود قبل عام (147هـ-767م) ليمكن القول بأنه بدأ رحلته في الثامن والعشرين من عمره، وانه أدرك الليث بن سعد وتلقى عليه19، بينما صرف مستشرق اسباني أخر هو رفائيل كستيخون كالدرون Rafael castejon Calderon النظر عن رواية الديباج من أن يحي عمر 82عاما، وقرر انه عاش 87 عاما، أمر فيما يبدو توصل إليه بمقارنة التواريخ المختلفة، إذ لم يسنده إلى مرجع معين20.

أما الرحلة الثانية فلدينا تاريخها أكيدا، فقد كان لقاؤه مالكا في السنة التي توفى فيها، وتاريخ وفاة مالك يرجع إلى عام (179هـ-795م)، في الثابت المتداول من الراويات، وتقول الراوية انه لقي مالكا عليلا، وانه أقام إلى جواره إلى أن لقي الله، فحظر جنازته 21 إلا أن هذه الرحلة الثانية لم تكن من الأندلس وإنما كانت من مصر، ذلك أن يحيى في عودته إلى الأندلس مر في طريقه بمصر، وحضر درس ابن القاسم، فنشط إلى مالك ليسمع منه المسائل التي رأى ابن القاسع قد دونها 23.صاحب الديباج المذهب عدهما من البدء رحلة واحدة، وأوردهما في خبر جمع فيه بين لقيا مالك والليث، مما يوحي بأن مقام يحي في المدينة إلى مصر وعودته إليها كان قصيرا، ويضيف لوبث اورتليث إلى أسباب عودة يحي إلى مالك، ذلك التأثير الذي تركته في نفسه أراء الليث بن سعدأمر ينقضه أن عودة يحيى الثانية،

16 ابن فرحون: الديباج المذهب ص350و351

17 انظر مثلا: المغرب في حلى المغربج1ص164،والبيان المغربج2ص89نشرهليفي بروفنسال وج بن كولان، ليدن 1951

18 جمع بين رواية كل من التاريخين: الديباج ص351 ونفح الطيبج2 ص217 وابن الفرض ترجمة رقم 1554.

19 Lopez Ortiz, José : La Recepcion de la escula maliqui en Espana P66,en « Anuaris de Historia del dercho espanol, vol ano 1930 - MADRID.

20 Rafael Castejon Calderon : los juristas hispano musulmanes,P58 Madrid 1948

21 نفح الطيب: ج2ص219

22 ابن الفرضي: ترجمة رقم1554، ونفح الطيبج2ص219

23 Lopez OrtizM la recepcion de la escula maliqui P67

وانظر: الديباج المذهب ص350

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٦١٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٦١٥