المناقشة والتفهم، فلا شك أن راهبة الدرس، وكثرة القادمين، وجو الغربة، جعل يحي هذه اللحظة مغمورا لا يكاد أن لمح بين هذه الوجوه، ولم يلبث أن حدث ما جعله في مقدمة هؤلاء جميعا.
لقد حدث أن أمر فيل في شوارع المدينة، ماذا يصنع فيل هناك؟ ربما استقدمه بعض أولئك الذين تعودوا أن يجلبوا ما يضحك الناس وان يقبضوا لذلك ثمنا. هل كان الفيل منظرا غريبا في المدينة؟ لا يبدوا ذلك، على العكس، يبدو أن المدينة قد ألفت أن ترى من يقود الفيل في شوارعها بين آونة وأخرى، فلقد كانت مدينة الرسول، طوال العصر الأموي، يتناكب فيها الوقار والخفة، والجد واللهو، وتختلط في أرباعها أنغام الموسيقى والغناء بابتهالات العباد وأصوات القراء، وتجتمع فيها كل مباهج الحياة ولذائذها من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، بفضل السياسة حين أقصتها عن مكان القيدة والتوجيه، او نتيجة حتمية للمال المتدفق إليها في إعداد تدفع إلى التفنن في اقتراف الترف و اللذائذ دفعا، ودليلنا على أن المدينة عرفت الفيل سابقا، أن سؤال الشيخ لطالبه فيه تؤدة وثقة واطمئنان من رأي الفيل مرات ومرات.
ولكن في تصريف الطلاب ايضا، ما يوحي بأن الفيل لم يكن شيئا مألوفا كل الالفة، او اعتبرت رؤيته على الدوام، والا لما تركوا حلقة الدرس ليشاهدوه هناك، وعلى أي حال فقد مر الفيل، وخرج كل الطلاب ليروه، وبقي طالب وحيد، أكان يحيى قد رأى الفيل من قبل؟ لا أظن، ومع ذلك فقد بقى في مكانه لا يتحرك، ولم يلحق بالعاجلين لرؤية الوافد الجديد؟، و أخد مالك بحرص طالبه، وبوقاره في سن مبكرة، قد تتصف بكل شيء، إلا ذلك اللون الهاديء من الوقار: " مالك لم تخرج لترى الفيل وليس في راح يتملى ملامح الطالب الأندلسي، ويرقب انفعالاته يحاول ان يستشف ما يخالجه من مشاعر، وما يعتلج في داخله ن أحاسيس، ولم يطل الجواب بمالك، لقد جاءه من طالب علم حقا" .. إنما جئت من الأندلس لأنظر إليك، واقتبس من هديك، أرشيف من علمك، ولم أكن أنظر إلى الفيل"14، ومن تلك اللحظة أعجب الشيخ بطالبه فسماه "عاقل الأندلس"، وإنها للغته تستحق أن يقف عندها الباحث طويلا، أن يقف عند الأستاذ وعند التلميذ على السواء.
في القصة أو ضح وأدق ما عرفت التربية في مضمونها الحديث، وفي أبحاثها المتخصصة العميقة، حيث يعكف عليها دارسون ومجربون، وحيث يستعان فيها بالمعامل والآلات وبالإحصاء والتجارب والمخابر، وبالعديد من الأبناء والبنات.
لفتة طيبة من الأستاذ، فمن خبرته في غير معهد ومن تجاربه في غير معمل، ومن غير حصول على إجازة، أن درسه مهما يكن فيه من العلم ومن النفع، ومهما يكن طلابه من الانكباب على الدرس، ومن الحرص على الفائدة، فان الجديد ملفت، وان التروح معيد للنشاط، وقد يبقى الطلاب قسرا في مجلسه، ولكن قلوبهم أكيدا ليست هناك.
نفس ما تقرره التربية الحديثة، بعد عشرة قرون أو تزويد، فالأستاذ الواعي عند ما يرى طلابه قد انصرفوا الى جديد عابر، هربا من قديم متعود، عليه أن يشاركهم أو يشجعهم، لان معارضته لا دوى منها، غير إحراج الصدور، وإيغار القلوب، وكذلك فعل مالك ...
وإذا كانت هذه تدخل لمالك الأستاذ في باب الحسنات، بل ترفعه إلى منزلة الخبير بنفسيات الطلاب، العليم برغباتهم، فإنها كذلك، لتجعل من يحيى الطالب، وقد قطع مهامه القفر، ومفاوز الصحراء، ليرى عالم المدينة، يستمع إليه، ويتعلم من فقهه، إلى مرتبة الطالب الجدير بما نعته به أستاذه، مما أصبح ترويها كتب التاريخ ... عاقل الأندلس.
وكلمة عاقل هنا، لا يقصد بها المعنى الحرفي لكلمة، حين تجرد من أشعاعها البلاغي لحياتي، فلا يقصد بها ذكاء أو النباهة وما إليهما من الدلالة على القدرة الكاملة للتصرف، ومواجهة أزمة طارئة أو ثابتة من مشاكل الحياة، وهو المعنى الذي فهمه كل المستشرقين، حين ترجموا هذه الكلمة إلى ما يعادل يحيى الذكي15، وانه لفارق كبير بين عاقل
14 نفح الطيبج2ص217، وجذوة المقتبس ترجمة رقم 908، وابن سعيد المغربي: المغرب في لحى المغربج1ص163طبعة القاهرة1953
15 يترجم المستشرقون الذين عرضوا ليحيى كلمة"عاقل" ب Inteligente في الاسبانية و Inteligent في الانجليزية و Intelligente في الفرنسية.