تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأما الأستاذ الثاني ليحيى في الاندلس، فقد كان يحيى بن مضر القيسي (توفي189هـ-804م)، شامي الأصل، رحل إلى المشرق فسمع من سفيان الثوري، ومن مالك نفسه، وفيما يروى فان مالك الشيخ جلس من تلميذه مجلس الطالب، فسمع منه وروى عنه وقال: "حدثنا يحي .. "9 ولكن يحيى بن مضر عند ما عاد إلى الأندلس، لم يكن فيما يبدو متحمسا للمالكية تحمس أصحابه، ولم يكن متحمسا لأستاذه الثاني سفيان الثوري، وإنما كان صاحب فكر ونظر، وإلى الحديث أميل، فهو يدرس ويراجع وقرر في ضوء ما عرف من قران وسنة، قلت صاحب فكر ونظر، ولم اقل صاحب رأي لان كلمة رأي في مدلولها الفقهي يتباين مدلولها تباينا كبيرا تبعا للعصر الذي استخدمت، وهو أمر لم يفطن إليه كثير من المحدثين، فاختلط عليهم الأمر، واهتزت أمامهم الصورة، فاستخدموا الكلمة حيث لا تؤذي المعنى المراد، ولا تومئ إليه من قريب أو بعيد، فليس يطلق على من حرر نفسه من المذاهب، والتمس طريق النظر الحر انه صاحب رأي، وإنما تطلق كلمة "الرأي" على طريقة في التشريع والاستنباط، لها قواعدها ونظمها، وان كان صاحبها ملتزما مذهبا محدد، لا يخرج عنه ولا يحيد.

لم يكن عزوف يحي بن مضر عن التقليد، ووضعه لنفسه موضع العارف القادر على الاستنباط، مرده تحيفا لعلم مالك، أو جورا على أستاذيته، أو استهانة بما أخد عن الثوري، فقد كانت الصلات في ذلك العصر، تقوم بين الطالب والأستاذ، على أسس من التقدير المتبادل، والإعجاب المتجاوب، بين المعطي والأخذ على السواء، إنما كان مبعثها اعتداد أصيا في نفس يحيى بن مضر، جعله يعرف لنفسه حقها، لا يبخسها قدرها، ولا ينزل عن مستواها فهي في المقدمة حيث ينبغي أن تكون، متساوية مع أندادها، لا يبطرها غرور، ولا يقعدها عن التسامي عجز، صريح أو مرتد ثوب التواضع المكذوب ولقد كان دوره في الحياة العامة كذلك، فأخذ من الحياة السياسية الايجابية نصيبا موفورا، ولقي الله مصلوبا في "هيج الربص" عندما ثار الفقهاء على الحكم الأول10

كان يحيي الليثي يوق أستاذه ويكبره، ويعجب بصلابته في الحق ويحتفظ به بذكرى عطرة، وبولاء خاشع جليل، ولم يكن يحي الطالب هو وحده الذي نجب من بين تلاميذ يحيى الشيخ، وأنتما شاركه في التلمذة عليه، فقهاء أندلسيون كبار، من بينهم: عبد الله الملك بن حبيب واصبغ بن خليل11.

خلال القرن الأول من الفتح، كانت الأندلس رغم ازدهار الحضارة فيها، تنظر إلى الشرق نظرة أجلال وإكبار، شئ طبيعي، فقد كان المصدر الوحيد للتشريع واللغة، وكان الرافد الأول للأدب والتاريخ، وكانت رحلة الحج فرضا على كل مسلم قادر أن يؤديه، تزيد من ذلك المعنى في النفوس، وتثبت من هيبته في القلوب، وكما يجد شبان اليوم في الرحلة إلى الجامعات الأجنبية مزهى يزدهون به بين مواطنيهم ويفاخرون، وكما تبعث الأمم برجالاتها لترى ما عند الشعوب الأخرى من معارف تزداد بها خبرة، أو تجارب تزداد بها عمقا، كذلك كانت الأندلس؟، يجد رجالها مهما أوتوا من علم في الرحلة إلى الحج واجبا دينيا يسعون إلى أدائه، وفي ارتياد مدارس الشرق مجدا ثقافيا، يأمل كل إنسان أن يبلغه وان يدرك منه نصيبا.

لهذا المعنى، وفي ضوء منه، فان زياد شبطون على الرغم من أنه لقي مالكا وسمع عنه، وكان رواية موطئه في الأندلس، لم يكد يتخيل في تلميذه يحي مخايل النجب والنباهة، ويستشف فيه مواطن الاستعداد والفطنة، حتى أشار إليه أن يرحل إلى الشرق، وان يلقى مالكا هناك، فيأخذ منه آراءه سماعا، ويلتقي عنه روايته عيانا12 وقد كان ..

-4 -

بدأ يحي رحلته الأولى إلى الشرق في سن فتية، وحضر مجلس مالك ودرسه، وسمع منه الموطأ، غير أبواب في كتاب الاعتكاف شك فيها محدث بها عن شيخه زياد بن شبطون، ودعا وتعففا، وآمنة في حمل رسالة العلم 13.

وفي حلقة الدرس لم يلبث الطالب الفتى أن لفت نظر شيخه مالك سريعا، لم يلفت النظر إليه في ميدان

9 المقري: نفح الطيب ج1ص322.

10 ابن الفرضي: تاريخ علماء الاندلس، ترجمة رقم 1551طبعة مدرير1892

11 ابن فرحون: الديباج المذهبص97

12 نفح الطيبج2ص252

13 ابن الفرضي ترجمة رقم 1554، والديباج المذهبص350، ونفح الطيبج2ص217.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٦١٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٦١٣