كانت شهرة زياد تأتيه من انه دخل إلى الشرق مرتين، ولقي في كلا رحلتيه مالكا، وسمع عنه الموطأ، فكان أول من ادخله إلى الأندلس مكملا متقنا، وكان أهل الأندلس قلبه على مذهب الأوزاعي1، هذه رواية المقري في كتابه نفح الطيب2 ولكن ثمة رواية أخرى تشير إلى انه أول من ادخل الموطأ هو الغازي بن قيس3 وإذا عرفنا أن الرجلين كانا متعاصرين وان وفاتهما كانت متقاربة، تبين لنا انه لا تضارب بين الروايتين، وبخاصة ان كلاهما رحل إلى الشرق ولقي مالكا، وان تكن رواية المقرئ نصا في الموضوع كما يقول الأصوليون فهي تقرير " انه أول من ادخل مذهب مالك إلى الأندلس" على حين الراوي المعارضة - وقد أوردها ابن فرحون- تقول عن الغازي انه "دخل (الأندلس) بالموطأ عن مالك" وتتفق معها رواية الحميدي، إذ تذكر أن الغازي" كان عنده الموطأ عن مالك، وقيل كان يحفظه"4 ومن تم كان لنا أن نعد رواية المقري أقرب إلى الترجيح.
ولقد أبدى شبطون وعيا في تلقين الدرس عن مالك، وإقبالا عليه وانكباب، فكان أهل المدينة يلقبونه "بفقيه الأندلس"5، وفي رحلته الثانية، سأله مالك عن هشام بن عبد الرحمن، أمير الأندلس، وكان قد احتضن الفقهاء ورفع مكانتهم فازدادوا به نفوذا، فأثنى شبطون على هشام كثيرا، حتى قال مالك: " وددت لو أن الله زين موسمنا به"6 على أن ثمة من ينسب هذا السؤال لمالك عن عبد الرحمن الداخل، إذ سأل عن سيرته، فقيل له: أنه يأكل خبز الشعير ويلبس الصوف، ويجاهد في سبيل الله، ثم عدد مناقبه، فقال مالك: "ليت أن الله زين حرمنا بمثله" وبلغ هذا القول عبد الرحمن فسر به، على حين نقم العباسيون من مالك، وعد ذلك من أسباب محنته7.
هل حادثة واحدة تنسب تارة لعبد الرحمن الداخل وطورا لابنه هشام؟ ام إنها تكررت من مالك في أكثر من مجلس، وفي الأب وابنه، وأن المؤرخين تداولوا النص منسوبا لواحد منهما في كل مرة، على حسب ما ارتاحت إليه لنفسهم، أو متابعة لما قال الروي؟ على أي فمن الوجهة التاريخية، ليس هناك ما يمنع مالكا من أن يبدي رأيه في عبد الرحمن وفي هشام، فقد عاصر كليهما وهو في أوج مجده العلمي وقمة تألقه، ولكن إذا عرضنا الرواية على الاتجاه النفسي له، كان لنا أن نشك في أنها لصقر قريش، وإنما الأقرب فيها أن تكون لهشام، فقد كان عهد الأب دمويا ثوريا، صاخبا مضطربا، تستباح فيه الوسائل، ويغض النظر عن مبادئ الأخلاق، بينما كان عهد الابن، هادئا مستقرا، لينا سمحا، ازدهرت فيه الثقافة عامة، والمالكية بنوع خاص، نال فيه العلماء الحظوة، واحتلوا مكان الصدارة، بدأوا يأخذون في توجيه الدولة السياسي نصيبا ملحوظا، وهو ما تمناه مالك لمواطنيه في الشرق، تمنى النظام العادل المتسامح وأحب أمير الأندلس مصحوبا بهذه الفضائل، وأثنى عليه مرتديا هذه الخلائق فلم يكن بينهما من وشائج النسب، أوصلات الود، ما يجعله في ثنائه، ينحرف عن تكريم المبادئ إلى الإشادة بالأشخاص، وهي أشياء تبدو في هشام أوضح منها في أبيه، فروق وليدة الظروف والملابسات، إذا كان هشام يمجد بها ويحمد عليها، فلا يقدح في عبد الرحمن أنه لا يوصف بها، ولا تمس اعتباره في أنه من عظماء الرجال.
ولقد أراد هشام زيادا على تولي القضاء، والح عليه في ذلك، مستعينا بحاشيته و وزرائه، ولكن زيادا مانع، وأصر على الرفض وهرب من قرطبة، إلى أن أمنه هشام فعاد، ولعل سرور الأمير به، وهو يركل بقدميه عرض الدنيا، أعظم مما لو هرول إليها لهثا يلتقط فتاتها منحنيا، فتمنى أن يكون له في دولته من أمثاله الكثير "ليت الناس كلهم كزياد حتى أكفى أهل الرغبة في الدنيا"8
1 الحميدي: جذوة المقتبس، ترجمة رقم 439، نشره محمد بن تاويت الطنجي، القاهرة 1952
وأنظر: ابن حزم الأندلسي: جمهرة انساب العرب ص397، طبعة القاهرة1948، ونفح
الطيب: ج2ص252وج4ص214طبعة القاهرة1949.
2 نفح الطيبج2ص252 - 253، والخشنى: قضاة قرطية ص46طبعة القاهرة 1954
3 انظر: ابن فرحون: الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب ص219طبعة القاهرة.
وابن القوطية: فتح الأندلس ص34، مدريد1868م.
4 جذوة المقتبس ترجمة رقم 748
5 الديباج المذهب ص118و119
6 أخبار مجموعة ص120طبعة مدريد 1867، وابن القوطيةص42
7 ابن نباتة المصري: سرح العيون في شرح رسالة ابن زيددون ص180 طبعة القاهرة.
8 النباهي: المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتياص12و17 نشره1.ليفي بروفينسال، تحت اسم "تاريخ قضاة الأندلس"، طبع الكاتب المصري، القاهرة 1948