تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س 3، ع 10/ يوليوز 1960 .................. ص45

أعلام الأندلس: يحي بن يحي الليثي

للأستاذ الطاهر أحمد مكي

-2 -

يلعب الأستاذ في حياة الطالب دورا كبيرا، فهو مثله الأعلى في الحياة، يتخذ من سيره قدوة، ومن خطواته نهجا، طواعية أو بدافع اللاشعور، والأستاذ الموهوب، المغرم برسالته، والناجح في أدائها، توجد دائما بينه وبين طلابه صلة من أقوى صلات الحياة واثبتها. انه يتابع، عن قرب أو بعد، هرولة طلابه في دروب الزمن، يأسى للمتخلفين، ويرمق بإعجاب ونشوة أولئك الذين أوتوا حظا من التوفيق، ويحس في نجاحهم وتفوقهم عزاء عما لقي من شقوة العمل وضآلة التقدير، أنهم الجزاء الا وفى يقبضه المعلمون عوض ما بذلوا من جهد، وما افنوا من عصب، وما أعطوا من ذوات أنفسهم ومن ثمرات قرائحهم. والأستاذ المخلص، الكبير القلب، الرضي النفس، لا يقف أبدا من تلميذه سلبيا، أنه يستشف ما فيه من قدرة وصلاحية وميل، فيوجهها الوجهة الصالحة، ثم يدفع به الى الميدان الموافق، وبما له من خبرة ومراس وتجبة، يعينه على تدليل ما يعترضه من صعاب، وينير له ما يواجهه من ظلمات، أو يشكل عليه من مسالك.

من أجل ذلك كله، فلكي نعرف يحيى بن يحي طيبا، لكي ندرك ما وراء جهده وعلمه ونجاحه وخلقه، علينا أن نتتبع خطاه مذ كان صبيا يافعا، فشابا متفتحا، فرجلا مكتملا، وإذا كانت اسفار التاريخ لم تعط طفولته العائلية عناية نستطيع ان نتبين من خلالها تربيته هناك، فلا اقل من ان نلقي نظرة خاطفة على اساتذته الكبار، أولئكم الذين لقيهم في طفولته وشبابه، هنا في الاندلس، او هناك في الشرق: في مصر ومكة والمدينة.

أول هؤلاء الاستاذة الذين تتلمذ لهم هنا، بعد ان شب عن الطواق، واخد بقدر طيب من التعليم، هو زياد بن عبد الرحمن اللخمي المعروف بشبطون (ت204هـ-819م)، نقول بعد ان شب عن الطواق لان زيادا كان أستاذ كبيرا، وفقيها لامعا، لا يأخذ طريقه إلى دراسة، إلا من اعد نفسه، وهيأها لتلقي ما هو ضروري لكي يواصل الدراسة مع فقيه كبير، أما الأساتذة الذين سبقوا زيادا فان كتب التاريخ لا تعرض لهم، ربما لأنهم كانوا من صغار القراء الذين يحترفون تحفيظ القران وتقديم بعض مبادئ الفقه والتوحيد والحساب، على طريقة التربية فيذلك الزمان!.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٦١١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٦١١