وقد أشرنا من قبل الى أن احد تلامذته برز في علوم اللغة، وهذا العالم الجليل هو أبو العباس احمد بن عبد العزيز الهلالي السجلماسي ولد سنة 1113 بناحية تافيلالت التي كانت تسمى قديما سجلماسة، واخذ العلم عن شيوخ المغرب ثم رحل الى المشرق مرتين ورجع في الاخير الى وطنه حيث استقر بمدغرة ينشر العلم ويؤلف الكتب الى ان توفى رحمه الله سنة 1175هـ (1721)، ومن جملتها فيما يهمنا الان، فتح القدوس في شرح خطبة القاموس، توجد منها نسخة بخزانة الاستاذ محمد العابد الفاسي قال عنها: "وهي من أغرب الشروح الموجودة تقه في جلد ضخم، وللهلالي كذلك اضاءة الادموس ورياضة الموس من اصطلاح صاحب القاموس، وهو مطبوع بفاس طبعة فاسية أي على الحجر. وقد نظم هذا التاليف احد علماء فاس المتأخرين هو ابوعبد الله محمد الكردودي المتوفى سنة 1267هـ (1752) وطبع مع اضاءة الادموس.
ومن العلماء المتأخرين كذلك خدموا اللغة ابو الحسن علال بن عبد الله الفاسي المتوفى سنة 1314هـ (1896). وكان طبيبا ماهرا وله في ذلك تاليف منها فيما يتعلق باللغة: تجريد المفردات الطبية الواردة في القاموس للفيروزابادي مع شرحها.
ومنهم العلامة الشهير محمد محمود الشنقيطي المتوفى سنة 1322هـ (1904) الذي ظهر فضله في هذه البلاد المشرقية، وبقي أثره في تعالقه وتحقيقاته على عد كبير من المخطوطات القيمة، وكان امام وقته في اللغة، وأخذ عنه وانتفع به كثر من علماء الجيل السابق. أما من تآليفه فلا نعرف إلا رحلته الى بلاد السويد والنرويج المسماة"الحماسة السنية الكاملة المزية في الرحلة العملية الشنقيطية التركزية" طبعت في القاهرة في مجلد سنة 1319هـ وهي عبارة عن تسع قصائد ومقطوعتين نظمها بمناسبة ايفاده مندوبا من لدن سلطاان تركيا للمشاركة في مؤتمر المستشرقين المنعقد باستوكهلم وكريستانيا عاصمتي السويد والنرويج سنة 1889.
ونختم هذا البحث بالكلام على شخصية فذة، كان من اخر اولائك العلماء الذين كانوا يربطون المغرب بالمشرق وهو في نفس الوقت اول المغاربة الذين اقبلا على الدراسات العلمية الحديثة، ونعني به العلامة الطبيب عبد السلام بن محمد العلمي المتوفي سنة 1323هـ (م1905) رحمه الله.
العلمي هذا ولدبفاس سنة 1246هـ (1830م) ودرس بجامعتها وظهرت نجابته من صغره وكان اذ ذاك السلطان مولاي الحسن رحمه الله يبحث عن شبان اذكياء يوجههم لمختلف عواصم العلم بأوربا وبالمشرق، وكانت تلك حركة مباركة، الا أنها مع الاسف لم تكن لها كل نتائج المنتظرة بسبب دسائس البعثاث الدبلوماسية الاجنبية التي رأت في تلك المحاولات افلات المغرب من الوقوع في ايدي الدول الغربية التي كانت تتوزع البلاد الافريقية والاسيوية. وكانت حركة مولاي الحسن في تطوير المغرب وتاسيس المعامل اللاسلحة ونحوذلك تشبه حركة اليابان التي نجحت في حين لم يكتب لحركة المغرب النجاح إذ ذاك. وعلى كل فان العلمي كان من جملة اولئك الشبان الذين وقع عليهم الاختيار لتوجيههم للخارج قصد دراسة العلوم الحديثة من طب وهندسة ونحوهما، وكان من نصيبه ان وجه لتعلم الطب بمصر. فدخل مردسة قصر العيني وقضى بها مدة يتعلم على شيوخها من الاطباء المصريين والفرنسيين الى أن حصل علما جما ورجع المغرب واخد ينشر علمه بالتعليم والتأليف والمداواة. واول ما وجهه في علمه ما لا نزال نهتم به الان، هو مسألة المصطلحات، وكلام العلماء يختلف عن كلام العامة، ففكر في وضع كتاب يضم كل المصطلحات الطبية والكيماوية والنباتية ونحوها مع شرحها وذكر المترادفات ان كانت مع اللغة الفصيحة، والمصطلحات القديمة والاستعمال العامي. وبدأ في هذا المشروع، وسمي هذا الكتب " الاسرار المحكمة في حل رموز الكتب المترجمة" الا ان احد تلامذته استعجله في تخريج كتاب صغير يمكن ان ينتفع به في الحين، ويفيد في شرح المصطلحات الفصيحة الطبية بلغة اهل فاس، فعمد الى تذكرة الشيخ داود الانطاكي، وجرد كا مفرادتها وفسرها بلغة اهل فاس وختم الكتاب بالمفردات الحديثة وشرحها وقرب معانيها وسمي هذا المؤلف" ضياء النبراس في حل مفردات الانطاكي بلغة فاس" وقد طبع طبعة فاسية سنة 1318هـ (1900).