فاس وعاش بها زمنا طويلا وتوفى معمرا قد قارب المائة. ولا تعنينا الان ناحيته الادبية، وانما الذي يهمنا انه كان متضلعا من العلوم اللغوية وله فيها كتابات منها: نظم الفصيح لثعلب واسمه الموطاة وشرحه. وتوجد من المنظومة عدة نسخ بالمغرب وهي كاسمها سهلة لتفهيم كتاب ثعلب الشهير. والشرح يوجد بخزانة الرباط من جملة الكتب التي كانت في خزانة الجلاوي. وله ترتيب كتاب الامثال لابي عبيد على حروف العمجم وله مؤلف بديع سماه كتاب "كان ماذا" وهو من مؤلفاته النادرة واوضاعه الغريبة على حد تعبير المقري في نفح الطيب.
ولهذا الكتاب قصة وهي انه وقع في شعر مالك ابن النرحل قوله كان ماذا لان ذا اذا ركبت مع وصار اسما واحد من أسماء الاستفهام فانه يجوز ان يعمل فيها ما قبلها، فأنكر ابو الحسين بن ابي الربيع على ابن المرحل هذا الاستعمال، ووقعت بينهما مناظرة في ذلك بسبتة وكان ابن ابي الربيع من أئمة النحو فقال ابن المرحل:
عاب قوم كان ماذا
ليت شعري لم هذا؟
واذا عابوه جهلا
دون علم كان ماذا؟
ثم الف هذه المسألة والاحتجاج لها من كلام العرب والرد على المنتقد تأليفا اسماه" كان ماذا" والمقري يسميه: كتاب الرمي بالحصى والضرب بالعصا ويقول عنه: وفيه هنات لا ينبغي لعاقل ولا لذي طي في البيان أن ينشرها وفي ذلك قال الأستاذ أبو السين رحمه الله:
كان ماذا ليتها عدم
جنوبها قربها ندم
ليتني يا مال لم أرها
أنها كالنار تضطرم
وهكذا تطلعنا هذه القصة على تعلق القوم بلغتهم والذب عنها والمحافظة على صفائها بهذا الحماس الذي لا يتجلى عادة إلا في العقائد و المبادئ وقد تبوأت عندهم اللغة مكان العقيدة والإيمان.
ومن علماء اللغة ابو عبد الله محمد بن علي بن هانئ اللخمي ن اهل سبتة المتوفى سنة 733 (1333)، كان أعلم اهل زمانه بعلوم العربية، الف شرحا على التسهيل لا بن ماللك قال عنه ابن الخطيب في احاطته "ابدع فيه وتنافس فيه الناس" ودون ترسيل رئيس الكتاب ابي المطرف بن عميرة المخزومي. ومن تأليفه ما أشرنا اليه انفا من ترتيبه لكتاب مواطنة ابن هشام اللخمي من لحن العامة. ويؤسف لكون هذا الترتيب لم يصلنا لا نه وضع قريبا من مائتي سنة بعد المدخل الى تقويم اللسان، ولا شك انه قارون بين ما كانت عليه اللغة وقت كتابته وفي ايام ابن هشام. أما المختصر الذي وضعه ابن حاتمة لهذا الترتيب فانه لا يكفي لمثل هذه المقارنة.
وفي أيام الوطاسيين أي في القرن التاسع الهجري (الخامس عشر الميلادي) خمدت شيئا ما الأبحاث اللغوية تبعا للحالة العامة في البلاد حيث بدأت الخملات الصليبية البرتغالية والاسبانية على الشواطئ المغربية مما جعل الناس ينصرفون للدفاع عن حوزة الاسلام حتى أيام السعديين الذين يرجع لهم الفضل في القضاء على النفوذ المسيحي في المغرب بانتصارهم في وادي المخازن على الحملة الصليبية التي تزعمها ملك البرتغال " دون سبستيان" وقد لقي حتفه في هذه الموقعة الشهيرة سنة 986 (1576).
وفي أيام السعديين انبعثت نهضة جديدة للعلوم والآداب، وممن هر من علماء اللغة في هذا العصر أحد كبار أطباء المنصور السعدي ووزرائه أبو عمر القاسم بن محمد ابن ابراهيم الغساني من اهل فاس، وقد كان بيت الغساني بيت علم ووزارة وكتابة وقد تقلد كثير من رجاله خطة الوزارة حتى صار يطلق على هذه العائلة اسم الزير وهم لا يزالون موجودين الى اليوم بفاس حيث يعرفون بأولاد الوزير.
أما أبو عمر هذا فقد اشتهر بكتاب في المفردات الطبية. وهذا النوع من الابحاث اللغوية ازدهر بالمغرب وله فائدة عظيمة الى الان، الن الذين اشتغلوا به لم يكونوا رجال علم نظري فحسب يكتفون بالرجوع الى المصادر المكتوبة، بل كانوا في نفس الوقت علماء نباتيين وأطباء وكيما ويين، يقفون بانفسهم على الاعشاب والاحجار والحيوانات التي يحتاجون اليها في تركيب ادويتهم، ويعرفون أعيانها واسماءها باللغة العامية، وهكذا يستطيعون تطبيقها على أسما ئها العربية الفصيحة.
والكتاب الذي وضعه الوزير الغساني اسمه: حديقة الازهار في شرح ماهية العشوب والعقار، وقد انتهى من تأليفه في السابع والعشرين من ربيع الاول سنة 994هـ