تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وليس من الغريب أن يكون أول النصوص التي وصلتنا في هذا الموضوع كتاب لأحد علماء سبتة في ما يسمى بتقويم لحن العامة وهذا دليل على ما قدمناه من غيرة أهل المغرب على صفاء اللغة العربية وعملهم على المحافظة عليها ومنع تسرب اللهجات الأعجمية إليها.

وهذا الباب في البحوث اللغوية له فائدة عظيمة لتاريخ تطور اللهجات العربية، وقد اشتغل به كثير من علماء اللغة منذ فتحه علي بن حمزة الكسائي بكتابه في لحن العمة واشتهر بالكتابة فيه يحي بن زياد الفراء المتوفي سنة 207هـ (822م) و أبو عبيدة المتوفي سنة 209هـ (824م)، وأبو حاتم السجستاني المتوفى سنة 291 (904) ومحمد بن الحسن الزبيدي الأندلسي المتوفى سنة 379 (989) وأبو هلال العسكري المتوفي سنة 597 (1201) وغيرهم ممن يطول تعدادهم. اما العالم المغربي الذي كتب في هذا الموضوع فهو ابو عبد الله محمد بن أحمد بن هشام اللخمي السبتي من أهل القرن السادس، المتوفى سنة 577 (1181) وكان من رجال العلم و الأدب، روى عن أبي بكر بن العربي والمسند الكبير أبي الطاهر السلفي، وكان له تضلع في علم اللغة، وله فيها تأليف: منها شرح الفصيح لثعلب وكتاب الفصول والجمل في شرح أبيات الجمل وفي إصلاح ما وقع في أبيات سيبويه وشرحها للأعلم من الوهم والخلل.

ومن مؤلفاته شرح مقصورة ابن دريد قال عنه الصفدي في الوافي بالوفيات1: " وهي من أحسن الشروح كتبتها بخطي في زمن الصبا، والكتاب الذي وضعه في لحن العامة من أهم مؤلفاته واسمه_ "المدخل إلى تقويم اللسان وتعليم البيان" _.وقد تنبه إلى قيمته العلمية العلماء قديما وحديثا، فقام بترتيبه احد مواطنيه من أهل سبته سنعرض له فيما بعد، وسمى هذا الترتيب إنشاد الضوال وإرشاد السوال، واختصر هذا الترتيب ابن خاتمة الأنصاري المتوفي سنة 775 (1369) وسماه ايراد اللئال نم إنشاد الضوال- ومن اهتمام العلماء المتأخرين بهذا الكتاب إن نشر الأستاذ كولان المدرس بكلية الأدب بجامعة الرباط إيراد اللئال هذا في مجلة الكلية2.

وكتب الدكتور عبد العزيز الاهواني مقالا قيما عن كتاب ابن هشام نفسه، ونشر منتخبا منه في عددين من مجلة معهد المخطوطات العربية. وكانت غاية ابن هشام في وضع كتبه أن يرد على الزبيدي، وابن مكي الصقلي3 فيما كتباه في موضوع لحن العامة. إلا انه تعدى ذلك إلى عدد كبير من الألفاظ العامية المحرفة من العربية أو الداخلية من البربرية أو الاسبانية وأعطى مرادفها العربي. وجل الأمثلة التي اختارها الدكتور الاهاني في المقال المشار إليه من هذا القبيل. ومن ذلك قول ابن هشام:" ويقولون لعنب اسود طويل كأنه البلوط: أصابع السودان، وإنما تقول له العرب أصابع العذارى، وأطراف العذارى تشبيها بأطراف العذارى المخضبة" ومن ذلك قوله: ويقولون هذا بابة فلان للذي يربيه، وهو عند العرب بمعنى الغاية. يقولون هذا بابة فلان أي غايته".والغريب أن العامية المغربية لا تزال تحتفظ على هذه اللفظة بمعنى قريب مما أشار إليه ابن هشام في إصلاحه. فبابة الإنسان عندنا ما ينبغي أن يفعل. ومن ذلك: "ويقولون للخرقة التي تجعل في عنق الصبي لتصون ثيابه من اللعاب ببطير وإنما تقول العرب: الهرشفة. و الهرشفة أيضا: صوفة الدواة، ولا نزال نسمي بالمغرب الخرقة التي ينشف بها الماء عند تنظيف المنزل: جفافة أما صوفة الدواء فهي الليقة عندنا.

وتوجد من هذا التأليف نسختان مخطوطتان بخزانة الاسكوريال وثالثة عند الأستاذ كولان بالرباط. وهو ن الكتب التي يتعين نشرها كاملة نظرا لقيمتها العلمية. ومن علماء اللغة المبرزين بالمغرب الشاعر الشهير مالك بن المرحل السبتي من رجال القرن السابع، وقد ولد بمالقة من عائلة مغربية مصمودية، وكان جده الأعلى قد انتقل إلى الأندلس، لكنه رجع هو إلى وطنه الأول واستوطن سبته، وبها ظهر نبوغه ثم انتقل إلى

1 الجزء2صحـ1301من طبعة اسطامبول سنة 1949

2 أنظر هسبريس سنة 1931صحـ10 - 23 -

3 كتاب الزبيدي: اسمه كما على مخطوط اسطمبول" كتاب فيه لحن العوام" أما كتاب ابن مكي ويوجد منه مخطوط كذلك باسطمبول، فاسمه "تثقيف اللسان وتلقيح الجنان

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٦٠٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٦٠٢