تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

السجن اسوة بيوسف الذي يقول عنه سبحانه (يا صاحبي السجن ارباب متفرقون ام الله الواحد القهار= وفعلا استبدل جنابه النشاط الدنيوي الذي حيل بينه وبينه بنشاط روحي تتجلى فيه الهمة الاسلامية وشرف المعدن فكان من حوله يرى في شخصه احسن قدوة في الوفاء لشعبه الى غيرة قسعاء على شرف الملك ويرحم الله الشافعي حيث يقول:

همتي همة الملوك ونفسي

نفس حر ترى المذلة كفرا

ولست افشثي اليوم سرا ان قلت ان الى جانب الدعوة الى خير كانت دعوة اخرى تفوح من اعطاف الجناب الشريف تتجلى في حركاته وسكناته والملبسات السيسية التي كان شبحها لا يفارقه طرفة عين خصوصا في حق ملك خبر الاستعمار واختبره واستبطن بواطنه وعرف الاهداف البعيدة التي يرمة اليها والتي ينم عنها قول احد مؤرخيهم اوجين كاط في كتابة" تاريخافريقيا الشمالية" ونص ما جاء في "ان النظام الاستعماري الفرنسي في افريقيا يحذو حذو النظام الروماني الذي رسم خطة له: تصيير الاهالي مجرد مزار عين عند الحكومة)

ماذا كانت نهاية المنفى؟ أصدق وصف له انه انتهى بما انتهت به الهجرة، فتح مكة كان نتيجة الهجرة، والاستقلال وخلع خرقة الاستعمار كان نهاية المنفى، ماأشبه الامس باليوم مما ذكرني _ بحم أن الشيء بالشيءيذكر_ قول القائل:

تذكرت لما ان رأيت جبينها

هلال الدجى والشيء بالشيء يذكر

تلكم كانت عقبى التصميم الالهي وتلكم كانت عاقبة التصميم البشري وما كنا عن الخلق غافلين _ والله غالب على أمره ولكن اكثر الناس لا يعلمون. بقيت الان القضية الثالثة هي قضية العدوان الثلاثي على قناة السويس: كان من قبيل المستحيل ان تناهض مصر دولتين عظمتين وما شاء الله من دويلة بريطانيا العظمى وفرنسا وصهيون، ومن وراء الاكمة بل من وراء البحار ما وراءها، وبالرغم من هدا وذاك فان رجال الثورة وعلى رأسهم البطل جمال عبد الناصر تناسوا كل شيء في هذا الموقف الخطير الاقوله تعالى: الذين قال لهم الناس ان الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم ايمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل فانقلبوا بنعمة من الله وفضل. نعم وفضل لانهم بفضل هذا العدوان امموا جميع المؤسسات والعمارات والممتلكات الفرنسية والانجلزية مما يجد القارئ احصاءه في كتاب بنوي ميشان الذي سماه ربيع عربي فانتهى العدوان هنا ايضا بما انتهت به غزوة الاحزاب: ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالو خيرا وكفى الله المومنين القتال.

الخلاصة يرحم الله القائل بان التاريخ هو عمل النهايات الذين يصلون الى الغايات لا في منتصف الطريق ولا في ثلثه.

ذهب محمد الخامس في نزاعه مع فرنسا الى النهايات بما في ذلك من مخاطرة ومغامرة مسترخصا لكل غال ونفيس، لما وصل مع القوم الى حيث انقطع الرجاء من المخلوق وجد الخالق وهو سبحانه وتعالى يقول له وفيت لشعبك فها انا وفيت لك اوفوا بعهدي أوف بعهدكم، دخلت المعترك مدخل صدق فخرجت مخرج صدق وللذين أحسنوا الحسنى وزيادة هي استقلال مدغشقر ايضا.

وكذلك القول في جمال عبد الناصر، وصل مع المتحالفين الى النهاية الى حيث انقطع الرجاء من المخلوق فوجد الخالق الموجود في كل مكان جريا على المعهود من سنة الله: حتى اذا أستيأس الرسل وظنوا انهم قد كذبوا جاءهم نصرنا.

يرحم الله القائل: ان الله في كل جيل شئونا يبديها يدفع مدبرا بمقبل ومبطلا بمحق وفرعونا بموسى ودجالا بعيسى فلا تستبطئ.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٥٩٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٥٩٨