تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الإسلامية مع النص في كتب الاعتقاد على وجوب الاجتهاد في العقيدة، ومع اختلاف في صحة إيمان المقلد.

وقد نص الإمام الغزالي في بعض كتبه على أن الشخص عند ما يصل إلى سن البلوغ يجب عليه وجوبا شرعيا أن يجدد إيمانه إذ كان إيمانه الأول إيمان تقليد، وهو مكلف أن يؤمن إيمان نظر واجتهاد.

ولعمري كيف يكون الاجتهاد في الإيمان مع ماله من الشأن العظيم ومع الخطر الزلل اليسير منه لازما، وفي الصالة والصوم وغيرهما من الفروع حراما.

بل كيف يكون في الأول ممكنا حتى لعامة الناس وفي الثاني غير ممكن ولو لخاصتهم.

وليس من حجة يصح أن يحتج بها هذا الزعم سوى أن شرائط الاجتهاد ووسائل الوصول إليه لم تتوفر لأحد من الناس في هذه العصور المتأخرة، ولم أر حجة أو هي من هذه الحجة، ولا ابعد بينها وبين نتيجتها، فان عدم توافر هذه المسائل، وتلك الشروط لأحد من الناس عرضا لا يفيد عدم إمكانها لمن يطلبها من الناس، بل استطيع أن أزعم أن شرائط الاجتهاد أقرب منالا، والوصول إليه أيسر سبيلا في هذا العصر، ومعلومات البشر في الكون قد تضاعفت، وقد أصبحت فلسفة الفلاسفة الماضين وحكمه حكمائهم من بدائه العلوم، فمن غير المعقول أن يكون العقل البشري الذي حل كثيرا من الغاز الكون، واجتاز كثيرا من صعاب الحياة، وابتدع ما يعد في عرف الأولين سحرا، فمن غير المعقول أن يكون هذا العقل غير مستعد لما استعد له عقل الأولين، أو أن يعجزه الوصول إلى ما وصل إليه احد السابقين.

ثم ما هذه الشروط التي يعدها أنصار التقليد معجزة الزمان؟

هي التبحر في علوم اللغة ومعروفة الناسخ والمنسوخ، وأسباب النزول، والإحاطة بعلوم السنة، وغير ذلك من العلوم التي تجعل المرء قادرا على الاستنباط، عارفا بأخذ الفروع من الأصول.

*

ولا نكران أن هذه العلوم مازالت حية، وسبيل تحصيلها ممهدة، حتى لقد يدهشنا ما نسمعه عن بعض المستشرقين من علمهم الجم واطلاعهم الواسع على علوم لغتنا، وإحاطتهم بأسرار شريعتنا، فأية عقبة بين إنسان أتاه الله من حسن الاستعداد، وذكاء الفطرة، ونور البصيرة ما يكفل له الوصول بهذه العلوم إلى مرتبة الاجتهاد.

*

حقيقة واقعة لابد من الاعتراف بها، وهي ندره وجود المجتهد في زماننا هذا بل ربما نقول فقدانه بتاتا، ومرد ذلك إلى فتور الهمم وضعف العزائم، وشيوع الاعتقاد الذي أشرنا إليه، والذي لم يحاول احد من العلماء بسببه أن يطرق هذا الباب العظيم، باب الرحمة الواسعة والفضل العميم، مع ما وراء هذا الباب من خير لو أتيح لأحد الوصول إليه لتباهت به الشريعة الإسلامية المطهرة، ولما كانت هناك الحكومات الإسلامية على شعوبها، وترفض شريعتها يأسا من صلاحيتها في بعض الشؤون.

*

فأنصار التقليد في حقيقة الأمر يجنون على الشريعة، ويجعلون الشك في لباقتها يقينا، والشريعة لا ينقصها سوى المجتهدين الذين يفهمون أسرارها، ويزنون أحكامها بميزان العقل والتدبير كما كان السلف الصالح بارزا بها.

وفضلا عن أن التقليد جناية على الشريعة الإسلامية فهو جناية على العالم نفسه إذ يميت فيه قوة الاعتماد على النفس، وشعور الاستقلال بالرأي ويوحي إليه العجز عن التفكير، وعدم القدرة على الاحتجاج حتى في ابسط الأشياء، فيكون أقوى حججه أن يقول: وهذا هو المنصوص، وهكذا قالوا.

*

ومما لا ريب فيه أن الشريعة الإسلامية هي أو في سياج لمجتمعات البشر، وقانون الإسلام أسمى من أن تتناول مثله العقول بدليل استيفائه لحاجة البشر في أمور المعاش والمعاد، واشتماله من أحكام الحقوق والسياسة والعقوبة والقصاص على ما يضمن راحة

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٥٨١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٥٨١