الأمم، ويحفظ كيان الدول، هذا باعتبار الأصول التي تفرعت عنها تلك الأحكام، غذ ليس من شأن الشارع البسط في كل علم أفادنا إياه من العلوم، بل ذلك موكول إلى إفهامنا في إرجاعها عند الحاجة إلى مأخذ تلك العلوم من الكتاب والسنة، ولما كان من الضروري وجود الأحكام بإزاء الحوادث التي لا تتناهى في جانب الترقي والاجتماع، ولما أراد الشارع من تمام الخير والتيسير للمسلمين كما يشير إليه قوله تعالى "يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر" فقد وسع عليهم باستنباط الأحكام من أصول الشريعة وتطبيقها على الحوادث التي تحدث للبشر بمقتضى سنة الترقي والانتقال، وذلك بتجويز القياس والاجتهاد في المسائل التي لا يكون بإزائها نص صريح على شروط مقررة عند أهل العلم.
*
وجواز الاجتهاد كما ذكره علماء الأصول مأخوذ من قوله تعالى "فاعتبرا يا أولي الألباب" ومن قوله رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أرسل معاذا إلى اليمن: بماذا تحكم يا معاذ .. ؟ قال بكتاب الله، قال: فان لم تجد .. قال بسنة رسول الله ... قال: فان لم تجد، قال اجتهد برأيي .. فقال عليه الصلاة وسلام: الحمد لله الذي وفق رسوله لما يرض به رسوله.
*
ولهذا توسع الأئمة في استنباط الأحكام السياسية والقوانين الاجتماعية من أصول الشريعة الإسلامية، فأحاطوا بسائر لوازم الدول في حياتها السياسية، فوضعوا كتبا مخصوصة تشتمل على القوانين الشرعية والقيود المرعية للوزارة والاحتساب، وكتابة الجيش، والخراج، ودواوين العطاء والترجمة ونحو ذلك مما تحتاجه الدول الإسلامية في قيامها ويتكفل بسلامة كيانها، ولهذا لما بسط الإسلام جناحيه على الشرق والغرب لم يدع الأرباب الأثرة من الرؤساء وسيلة لتنويع السلطة بحكم قوم بما لم يحكم به آخرون، فشمل العدل سائر لخاضعين لسلطان المسلمين، فأقبل الناس أفوجا للدخول في هذا الدين و التناصر بين أساس التحابب، وقوام الملك والعمران، وداعية التناصر بين أصناف الإنسان الخاضعين لأية حكومة وسلطان.
وكان الرأي والاجتهاد عند الفاروق رضي عنه اعتبار كبير، ويشبهه في ذلك عبد الله بن مسعود الذي كان يسلك طريقته، ويتعصب لمذهبه، حتى قال: (لو سلك الناس واديا وشعبا، وسلك عمر واديا وشعبا لسلكت وادي عمر وشعبه)
*
ويظهر لمتبعي التاريخ الإسلامي أن الإسلام كان في ناحيته الشرعية أقوى منه في نواحي الأخرى، فقد خلقت الشريعة الجديدة من القبائل العربية مجتمعا متماسكا، واستبدلت العرف وحكم الأهواء بقوانين حكيمة تستند في روحها إلى أقوى مبادئ الطبيعة البشرية ومشاعرها، فكانت الشريعة الإسلامية مصدرا من مصادر القانون لوفرة أبحاثها، وتغنى أفكارها، وليس بخاف على الناس عامة وعلى رجال القانون خاصة ما أوردته هذه الشريعة خاصا بالمعاملات والتصرفات من بيع وإيجار، وهبة، وميراث، واثبات.
ولو رجعت إلى قوله "يأيها الذين أمنوا إذا تداينتم بدين إلى اجل مسمى فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل، ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب وليملل الذي عليه الحق وليتق الله ربه، ولا يبخس منه شيئا فان كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا أم لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل" لرأيت وجوب إثبات الدين ولخرجت من الآية بكل ما يتعلق بالقوام والوصاية من قواده وحكمة في التشريع، ثم قوله تعالى "واستشهدوا شهيدين ن رجالك فان لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل احدهما فتذكر احدهما الأخرى" فنظم الشهادة وأوجب في أية أخرى أداءها ورتب الجزاء على كتمانها فقال "ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فانه أثم قلبه".
وكانت الشرائع التي تحكم العالم المعنوي أشد ما تكون أثرا، وأعظم ما تكون فوزا إذا ألمت في أحكامها بنواحي التفكير، ووجهات العواطف في المجتمع الذي تسن له، وهذا ما روعي في أحكام الشريعة الإسلامية مراعاة شديدة، وما جعلها مدى القرون قانونا سياسي واجتماعيا لكثير من الدول والمجتمعات الإسلامية، بل هذا هو السر في كثير من المجتمعات الإسلامية المتمدنة