تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قررها للجماعة قبل أن تخلق الديمقراطيات الحديثة بأجيال وأجيال وأجيال، وأعلن أن لا يحارب الحرية، ولا يضطهد أصحابها والداعين إليها، بل أنه على النقيض من ذلك يتيحها للناس ويندبهم أن يكونوا أحرارا طلقاء في تفكيرهم وعقائدهم وفي كل ما يتصل بهم من أسباب الحياة، وذهب بالأخذ بها كمبدأ من المسلمين على أساس الشورى وتبادل وجوه الرأي، يرشد إلى ذلك قوله تعالى: "وأمرهم شورى بينهم" وقوله "وشاورهم في الأمر" وهذا ما جعل خلفاء المسلمين وأمراءهم إذا حزبهم أمر أو عرض لهم حادث يتصل بأمن الدولة وسلامتها، ولم تكن ثمة شواهد يمكن الأخذ بها، أو سوابق يرجع إليها، أو قواعد يمكن تطبيقها عليه، فإنهم كانوا حينئذ يفزعون إلى الاستفتاء العام، فعلى هذه الأسس الديمقراطية ولي الحكم جميع الخلفاء الراشدين، وعلى هذه السياسة الرشيدة مضى خلفاء المسلمين وحكامهم لا يبرمون أمرا ذا بال، ولا يقررون حكما ذا خطر إلا إذا راجعوا فيه إلى المسلمين يسألونهم الرأي ويبادلونهم المشورة.

*

وجاء التوحيد فحرر العقل من ربقة التقليد الأعمى وسلطان الأوهام، وأطلق الفكر ن عقاله يجول في ملكوت السموات والأرض، وما خلق الله من شيء، ويطارد بنوره الساطع ظلام الجهل، ويبدد بأشعته الوهاجة سحب التضليل والخرافات والسخافات.

وقد جني العالم من غرس هذه المبادئ القويمة تمار الحكمة والاتزان واعتدال الرأي، وسلامة الفكر، وعلو الهمة، وكمال الإيمان، وفتح باب الاجتهاد على مصراعيه لمن فيه أهلية الاجتهاد وتصريف الواهب والقوى لما خلقت لأجله.

ولهذا فن الإسلام دين الفطرة السليمة والحرية الكاملة والعقل الصحيح والمدنية الفاضلة والمبادئ السامية والأحكام العادلة الصالحة لكل زمان ومكان، وإذا وعينا هذا أدركنا عناية الإسلام بشخصية كل فرد وكيف طالب كل إنسان بإبرازها وتنميتها والمحافظة عليها، لأنه مظهر الكرامة الإنسانية وعنوان ما في الإنسان من حيوية ورجولة وقوة إرادة.

وشخصية كل فرد هي مجموع ما فيه من استعداد وقوة وأخلاق، وهي وليدة ما لديه من ثقافة وعلوم وتجارب، فمن الجناية على الإنسانية أن يتنازل أي فرد عن شخصيته ويفنى في شخصية غيره، بل من الإجرام أن يمسخها بالتقليد الأعمى لسواه، وبتعطيل ملكة التفكير فيه، ويشل إرادته وخاصته التي ميزته عن الحيوان الأعجم، ومن الإساءة إلى الدين أن يكون المرء امعة ورجلا لا رأي له ولا استقلال عنده فيما يجري بين يديه، وفيما يقع تحت سمعه وبصره وحسه، وفيما يعرض له من شؤون الحياة وحوادث الوجود، ومظاهر الكون بحيث يتابع كل واحد على رأيه، ويلغي وجوده، ويرض أن يكون صدى لغيره.

فرسول الله (ص) حين يقول (لا تكونوا إمعة) ينهي كل فرد مكلف عن أن يكون تابعا لكل ناعق، وذيلا لكل رأس، ومتلونا بلون المجتمع.

وإذن فقد نهى النبي (ص) عن ذلك وأمر كل مكلف أن يثبت وجوده وأن يكون مستقلا في إبداء رأيه، وأن يحافظ على شخصيته ويظهر إرادته، ويستعمل عقله، وان يصبح احد رجلين فقط ولا يكون الثالث فيهلك، كما جاء في الأثر: (اغد عالما أو متعلما ولاتكن امعة) فهل رأيت أبلغ في الزجر وأروع في النعي على التقليد ومحو الشخصية من هذه الجملة الذهبية.

*

ولا ريب إذن في أن موضوع الاجتهاد من الموضوعات الجديرة بالعناية، والتي ينبغي أن يكثر العلماء من بحثها وتقليب النظر فيها للوصول إلى نتيجة صحيحة، ذلك لان الشريعة الإسلامية لم تصب بالعقم، ولم يلحقها هذا الذي يسميه الناس جمودا. ولم يشع الاعتقاد بين الخصوم بعدم لياقتها للعصر الحاضر، وعدم كفايتها لحاجات الناس، ولم يصبها كل هذا إلا عند ما شاع الاعتقاد بين العلماء بإغلاق باب الاجتهاد، وعدم تيسير أسبابه لأحد مهما حاول في هذه العصور، فأوجدت هذه العقيدة يأسا من تحصيل هذه الفضيلة.

ومن الغريب أن يكون الرأي الشائع، والاعتقاد الراسخ هو استحالة الاجتهاد في فروع الشريعة

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٥٨٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٥٨٠