تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

مالا يمكن أن يعيش المجتمع في ظل المدينة الواعية إلا بإتباعها والتزام العمل بها، فهي قوام سعادته، وهي الكفيلة باجتلاب المصالح له ودرء المفاسد عنه.

وشرع أحكام الرخص دفعا للحرج والمشقة في حالات الضرورة عملا بقوله تعالى: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) وقوله: (وما جعل عليكم في الدين من حرج).

وهذا النوع نمن الأحكام من باب التشريع الاستثنائي الذي لا يسوغ التوسع فيه.

وليس في تعاليم الإسلام ما يشق ويرهق، وفيها من المقاصد والمبادئ والمقومات ما يرقى بالنوع الإنسان إلى ذروة الكمال، حيث أفسح له المجال في التفكير والحريات الطبيعية، والعلاقات بين الأفراد والجماعات في النطاق الذي تتحقق فيه الفائدة، و يندرئ معه الضرر والعدوان.

وحارب الإسلام الشهوات الباغية،/والعادات الذميمة التي يأباها الخلق والفضيلة والمصلحة الظاهرة.

وحقق الإسلام لبني الإنسان الحري في مختلف صورها وتباين ألوانها، وعنى بتكوين الجماعة ورعايتها والعمل على كل ما يكفل لها الترابط القوي والمحبة الأكيدة والمودة الصادقة و الألفة الحميدة لتستطيع الإحساس بالسعادة و الإدراك لمعنى الحياة الصحيحة، فالفرد في نظره وحده تكرر في الجماعة، أو بعبارة أخرى لا يهتم بأمره ولا يوص بشأنه، ولا يشغل بتربيته وتهذيبه إلا ليكون لبنة صالحة في بناء المجتمع المثالي المنشود، ولهذا جرى القران الكريم في خطابه له إجرائه للحديث معه أن يناديه بكلمة إنسان ليفهمه أن لا يقدره إلا بهذا العنوان، ولا يعتبره إلا بتلك الصفة والإنسان كما يؤذن الاشتقاق ينتسب إلى الإنسانية ويمت لها بإقدام الصلات، فهو أن لم يكن هذا في معاملته للناس، وسلوكه في الحياة، ومعاشرته لمن يعرف ومن لا يعرف يكون عيشة معهم من قبيل المصادفات التي لا تسره والفرص التي تتحول إلى غصص يؤدي بوجوده، ويؤلم بمجرد حضوره، ويشيع التنقيص والأوجاع ظله المنتقل، وطيفه الذي يخطر بالخيال ويمر بالذهن.

ولا يكفي أن يظهر الإنسان بمظهر العابد الناسك، ولا الورع المتعفف، ولا المتبتل الخاشع، ولا الزاهد العي وف، مادام لا يضفي على الناس من عدله الشامل وظله الوارف، وبره السابغ، وبركته الملموسة.

وجعل الإسلام للعقائد المستنكة في القلوب تأثيرا على الأعمال، وهي وان كانت شيئا معنويا غير محسوس فتأثر الحواس بها أمر مشاهدة ملموس، فهذه الأعضاء الظاهرة من لسان ناطق، وعين مبصرة، وإذن واعية، ويد باطشة، وغيرها، تتأثر بالعقيدة القبلية، ولن يصدر عن الإنسان فعل من أفعاله إلا وفقا لعقيدته، وبدافع من يقينه، وباعث من داخله، فالحواس مسيرة بالعقائد، ومسخرة لها، ومعلنة عنها، فإذا رأيت أمة متماسكة البنيان، متحدة على الخير، قوية في الحق، سلاحها العدل، ومبدأها الرحمة، وأمرها شوري بينها، فاعلم أن سر نجاحها هو عقائدها السليمة من الضعف، الخالصة من الخرافات والأوهام.

وإذا رأيت امة مفككة مبعثرة، مختلفة، متنافرة، جبانة في الحق، جريئة في الباطل، شجاعة في الإثم، سلاحها الملق والظلم، وعدتها التذلل والعبودية، أمرها لغيرها، الغرم فيها على أبنائها، والغنم للدخيل عليها، اعلم أن سبب انحطاط هذه الأمة عقائدها الضعيفة، وعلة تأخرها فساد عقائدها الممزوجة بعبادة الحياة والشهوات الصارفة لها عن صفاء الدين، والحاجة لها عن نور العلم، والمبعدة لها عن هداية العقل، ولهذا كانت دعوة الرسل كلهم إلى الله منصبة على العقائد أولا، وما من رسول ولا نبي إلا وبدا دعوته بالعقيدة الخالصة، يدعو إليها ويشقي في سبيلها، ويحارب من أجلها. ولو أن العقائد الإسلامية تمكنت من قلوب المسلمين لنهضوا في كل فن، ولتقدموا في كل علم، ولصلحت الإدارة والنظم والقوانين والمعاملات، ولمحت الرحمة وانتشر الدين والسلم.

*

ولعل ابرز ما كلفه الإسلام لكافة الناس من ضمانات هو تلك الحرية الطليقة التي تعترف بالقيود والحدود وهذه الحرية تنتظم صورا متعددة، وأنواعا شتى، وقد عنى بها الإسلام جميعا فكلفها للفرد،

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٥٧٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٥٧٩