دعوة الحق، س 3، ع 10/ يوليوز 1960 .................. ص12
الاجتهاد والتقليد
للأستاذ: راغب العثماني من فلسطين
لو أننا أمعنا النظر فيما نصت عليه مبادئ الإسلام في الاجتهاد والتقليد لرأينا أن الإسلام أعلن استقلال الفكر والحرية والرأي بشرط أن لا يخرج كل منهما عن دائرته المشروعة_ إذ كل ما زاد على حده انعكس إلى ضده _ وهذا المبدأ احترم العقل وقرر اعتباره والرضوخ لإحكامه الصحيحة_ كما دعا الى استقلال الفهم وحرية الرأي بعد أحكام النظر، وأعمال الروية، وأجاده التفكير، ونفاذ البصيرة، مع البعد عن الطيش والهوى، وسلطان الوهم، والانقياد الأعمى لحكم الهوى والخيال.
جاء الإسلام والفطرة البشرية لا منظم لها ولا مهذب لنزعاتها: إذ أن الرسالات السابقة على رسالة سيدنا محمد (ص) قد ضاعت نصوصها الصحيحة، ودخل عليها ما ليس منها بفعل الأحبار والرهبان مما كان مدعاة إلى سيادة مذهب التسليم وسيطرة رجال الدين على نفوس البشر، فلم تكن المسيحية ولا اليهودية في الأرض إلا مذاهب مستضعفة تضطهدها الوثنية العربية واليونانية والرومانية والفارسية، وتمحق شرائعها مفاسد أحبار الديانتين، فوجه البشر إلى حياة اجتماعية راقية تلاؤم طبيعية فطرتهم، ونظم بشرائعه الدينية معاملاتهم وآدابهم وعلاقاتهم، وهذب بعباداته من حيوانيتهم، كما ارتقى بواسطة العبادات بملكاتهم الروحية، ووضع لكل ارتقى بواسطة العبادات بملكاتهم الروحية، ووضع لكل ناحية من مرافق الاجتماع البشري مناهج تلتئم مع الغرائز الفاضلة، وأخص هذه ما يتناول النواحي التشريعية والأدبية والعلمية، وكل ما تنشده الفطرة البشرية السليمة من وسائل الطمأنينة الاجتماعية، وارتقى بالنوع البشري كافة من أمنوا به ومن جحدوه، وغزت شرائعه أفكار المشرعين في سائر الأمم، فتغلغلت روح تلك الشرائع في مرافق الحياة لأكثر الأمم، حتى صارت بعض هاتيك الأمم اقرب إلى روح الإسلام و آدابه من كثير من الأمم الإسلامية في هذه العصور.
ولم تكن غاية الإسلام من ترقية الملكات الروحية غاية تعبدية فحسب: وإنما هي أجدى من هذا: أنها غاية انشاء مجتمع فاضل اركانه الاساسية هي الالفة والمحبة والايثار والبر والتقوى، ولن تجد بدا من كمالات أخلاقية تحصل بغير هذه المبادئ المثالية، ومتى قامت هذه الأخلاق الروحية ابنتي عليها كمال الخلق الاجتماعي، ومتى تحقق هذا الكمال قامت المعاملات والعلاقات والآداب والحياة الاقتصادية على نهج كفيل بإسعاد الذين يعيشون في ظله.
وأضاف الإسلام إلى هذه العوامل عاملا أكبر. هو: وحدة التعاليم والقوانين، فشرع من الأحكام