2. ذكر المصنف في تقدير الزمان الذي مر على تطور الإنسان ثلاثة أراء احدها أربعمائة مليون سنة، وثانيها مليون سنة على الأقل، وثالثها لا أدري والله أعلم بالصواب.
3. ما هو الجنس الأبيض أنا لا أعرف معنى هذا اللفظ، ولعله من الأسرار التي لا يحيط بها علما إلا الأوربيون في أمريكا والأوربيون في أوربا والذين حازوا قصب السبق في معرف هذا المعنى هم المستعمرون من هولانديين وبريطانيين مستوطنين في جنوب افريقية، يضربون ويحبسون ويقتلون أهل البلاد المالكين لها ملكا شرعيا من قبل أن يعرف التاريخ. وقد تذكرت الآن حكاية أتحف بها القراء تتعلق بهذا المعنى، كنت جالسا اشتغل مع الأستاذ الدكتور (باول كالي) في مكتبه بترجمة كتاب البلدان في الجغرافية العالمية تأليف محمد ابن الفقيه البغدادي المتوفى في أواخر القرن الثالث الهجري كان ذلك في المعهد الشرقي في جامعة بون سنة 1937 فجاءته امرأة ألمانية وقالت له أنها عثرت في جامعة بو أمنة من مدينة فاس على تاريخ للقوت الذين غزوا اسبانية والمغرب مكتوبا على رق غزال وما منعها من اقتنائه إلا قلة المال، ثم قالت له إن هذا التاريخ لم تقع عليه عين شخص ابيض قبلها، فان كانت الجامعة مستعدة أن تزودها بنفقات السفر فإنها متأهبة لتسافر مرة أخرى إلى فاس وتشتري ذلك الكتاب على نفقة الجامعة، فقال لها أن هذا الرجل،_ وأشار إلي _ مغربي، وهو يعرف فاس، فأخبرتني باللغة الانكليزية بما أخبرته به باللغة الألمانية، ولم أكن أعرفها إذ ذاك، فقلت لها لا توجد في فاس جامعة بهذا الاسم، فهل تعنين المدرسة العنانية؟ فقالت نعم فقلت للأستاذ كالي لا حاجة إلى سفر هذه المرأة، يمكننا أن نعلم الخبر اليقين بالمكاتبة، فكتبت إلى الأمير شكيب رحمه الله وكتب هو إلى أحد أصدقائه بفاس فاخبره أن لا وجود لمثل هذا الكتاب، وقلت للأستاذ كالي أن هذه المرأة كاذبة محتالة بدليل قولها لم تقع عليه عين شخص أبيض قبلها، مع أهل فاس الأصليين كلهم بيض، فقال لي إنما هو اصطلاح يجري على السنة الأوربيين، وإنما قال ذلك تلطفا لقطع النزاع، وإلا فانه كان يعتقد هو أيضا أن أهل المغرب لا يوجد فيهم شخص ابيض، ثم جاء محمد بن عبد الجليل الفاسي التنصر من باريس إلى بون فأخذته إلى الأستاذ كالي واخبره انه مغربي من مدينة فاس، فلما رأي عليه ثياب الرهبان وقد سمى نفسه يوحنا ظن انه فرنسي استوطن فاس، فلم اقدر على إقناعه، ثمة عزم الأستاذ الدكتور كرن على زيارة المغرب ليدرس فن البناء المغربي وطلب مني توصية إلى صديق يرشده في المغرب، فكتبت له توصية إلى الأستاذ السيد أحمد سكيرج فقام باشاده خير قيام وكان رحمه الله من أهل المروءة والشهامة، فلما رجع الأستاذ كرن إلى بون، قلت للأستاذ كالي أسأله عن لون أهل المغرب وخصوصا أهل فاس، فسأله وقص عليه قصة المرأة فضحك وقال ذلك حديث خرافة، ليس في فاس ولا في المغرب اعني سكانه الأصليين سواد، ثم قال الأستاذ كرن: وازيدك على ذلك أني كنت الفت كتابا في الخصائص، فلما وصلت إلى المغرب وجدت خلقا كثيرا من الناس لا يختلفون في جماجمهم وسائر ملامحهم عن سكان شمالي أوربا، وقد عزمت أن أخد إجازة أخرى من الجامعة فا سافر إلى المغرب لأدرس الأجسام البشرية المطابقة لأجسام أهل الشمال تكملة لذلك الكتاب.
ولا ينبغي أن يظنان أن ذلك الجهد الذي بذلته في إقناع الأستاذ كالي أن أهل المغرب بيض الألوان أو سمر. معاذ الله! قد ضللت إذا وما إنا من المهتدين. وإنما أردت أن أثبت له أن أهل أوربة يجهلون كل شيء من أحوال أهل إفريقية مع أنها اقرب القارات إلى بلادهم فان الذي وقف على سطح من بيوت طنجة يرى مدينة طريفة وقلعة جبل طارق بوضوح، وهما من القارة الأوربية، ولو كان هذا الجهل خاصا بعامتهم لهان الأمر، ولكنه عام حتى في أستاذة الجامعة.
ثم نقول ما معنى الجنس الأبيض؟ وما هي الطوائف من البشر التي ينطبق عليها أنها من الجنس الأبيض؟ وما هي علامتها التي تميزها عن غيرها؟ أهي لون؟ أهي ذكاء؟ أهي علم؟ أهي أخلاق؟ نرجئ جواب هذه الأسئلة إلى الجزاء التالي لان هذا المقال قد بلغ حده، فموعدنا الجزء التالي إن شاء الله.