أن يكون ذلك الأسد من أكلة لحوم البشر لأنهم لا يدركون للرحمة مدلولا، ولم أعرف السبب في استعادة قلبي للثقة لأنني جعلت أجزم بعودتك، فالغالب على الظن أن ذلك الأسد كان من الأسود العادية التي لا تصيب أحدا بسوء، وها أنذا أراك أمامي سالما».
ولم تفتر والدتي عن النظر إلي طيلة الوقت الذي كنت فيه منهمكا على الأكل، وكانت إمارات الفرح بعودتي بادية على كل حركة من حركاتها وهي تقول:
«كل يا ولدي العزيز وخذ نصيبك من الراحة، فالحق أقول لك إذا أنا أكدت أن الأم لا تنتظر أن تبرز أضلاع ولدها من فرط الجوع لتنيله شيئا يقتات منه»
ولقد أنهى «بواليا» كلام رفيقه بالتعقيب عليه قائلا: «إن كل ما قصصت علي واقع حق، فالأم لا تحتاج إلى لمس رأس ولدها لتعلم أنه يقاسي ألم الصداع».
ولقد أدركت مرة أخرى برهان الحب العظيم الذي تكنه الأم نحو ولدها وتيقنت مرة أخرى من صحة احترام الأبناء للآباء عند السود الساكنين في الأدغال.
إن الخطاف لا يأتي حتما بفصل الربيع، غير أنه يساهم في الإتيان به حقا.
ـــــــــــــ
التخول بالموعظة خشية الملل
في الصحيحين عن ابن مسعود أنه كان يذكر كل خميس فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن إنا نحب حديثك ونشتهيه ولوددنا أنك حدثتنا كل يوم، فقال ما يمنعني أن أحدثكم إلا كراهية أن أملكم، إن رسول الله كان يتخولنا بالموعظة مخافة السآمة علينا.
وعن عمر رضي الله عنه أنه كان يقول على المنبر: أيها الناس لا تبغضوا الله إلى عباده، فقيل: كيف ذلك أصلحك الله؟ قال: يجلس أحدكم قاصا فيطول على الناس حتى يبغض إليهم ما هم فيه، ويقوم أحدكم إماما فيطول على الناس حتى يبغض إليهم ما هم فيه.