فكان في إصراره على هذا العناد ما يذهب ببأسي. وكنت أتوقف بعض الوقت لأحاول إشاعة الدفء في أطرافي ووقايتها من ذلك الماء الكثيف المنهمر، غير أني لم أكن أجد إلا بعض الأوراق الطافية على صفحة الماء، ومع ذلك فقد حاولت جمعها بقصد الوقاية فلم أفلح لأن يدي كانتا ترتعشان من مفعول البرد والخوف معا، وما أقل الأشخاص الذين لا ينتابهم الخوف إذا جن الليل وتهاطل الشتاء.
أما حذائي المعمول من أوراق الشجر فلم يعد يفيدني شيئا. ولقد حاولت استئناف تلك المسابقة مع الزمن فكان مصيري التيه في تلك الليلة الممطرة الظلماء، ولو كانت الدموع تعزي الرجال عما يصيبهم من سوء ومكروه لبكيت، إلا أن العبرات لا تصرف الهموم إلا عن نفوس الأطفال.
وأقلعت السماء وهدأ كل شيء حولي، أما جسمي فقد ظل يهتز كتلة واحدة من غير سبب دون أن أنجح في تهدئته. ولقد خارت قواي وانهارت أعصابي فتيقنت من أنني هالك لا محالة وأنني لن أعود إلى عشيرتي أبدا.
وفجأة سمعت زئير ليث على مقربة مني فاهتزت أطرافي كلها فرقا، وما أسعد من كان مثله في هذه الحياة كمثل السلحفاة التي لا يطرد خفقان قلبها متى شعرت بإحساس من الأحاسيس. إن الزئير كان ينبعث مخيفا بحق من جوف الأسد ولم يكن صدري يضم قلب السلحفاة حتى لا أجزع له. إن الخوف الشديد قد تملكني حقا، ولقد بلغ من نفسي مبلغا جعلني أصرخ بكل قواي:
- اذهب لحالك يا «كيباندا» فإنك شيطان لعين، فمن هو هذا الذي طلبك أو استثارك؟. فليست لي حاجة فيك وليس لك أن تشيع الخوف في نفوس العائدين إلى ديارهم. إنني لم أمسك بسوء فاذهب عني.
وعبثا يحاول الفرد إحداث الرعب في نفس أسد يريد الإضرار بتوجيه السباب له، فلا يوجد ما يرهب الأسود أو يخيفها، بل إن الصراخ لا يزيدها إلا إصرارا على الإذاية. إن هذه الأسود هم أكلة الإنسان ولا يعرفون للرحمة مدلولا. ولقد كنت سعيد الحظ حقا، فإن الأسد الذي كنت أشتمه لأنه كان يزأر على مقربة مني كان من الأسود العادية.
كان لقاء الأسد حادثا سعيدا حقا لأنني اهتديت إلى الطريق فوصلت إلى البحيرة ثم إلى القرية خائر القوى من فرط الجوع والتعب والبرد. ولقد وجدت القرية هادئة حتى أن الكلاب لم تنبح عندما جعلت أقترب منها لأنها كانت مشغولة بالعبث سعيا رواء شيء من الدفء والحرارة.
وكنت ألهث بقوة عندما وصلت إلى كوخنا الصغير فوجدت بابه الكبير مفتوحة ووالدتي على مقربة من النار الموقدة. وما إن سمعت دوي المشي حتى أخرجت رأسها لترى من القادم إذ أنها ظلت تنتظر قدومي على إسرافي في التأخير.
قالت «السلام عليك مرحبا بقدومك».
احمدي لي حق سلامة عودتي يا أماه.
إن البرد قد قسا عليك يا ولدي من غير شك لأن المطر قد تهاطل طول الليل، فاقترب من النار لتشيع الدفء في جسمك. ولقد خرجت للاحتطاب لأني كنت أتوقع رجوعك متأخرا وقد سرى البرد في عروقك وأطرافك، وإنك جائع لأن النهار طويل وقد قضيت وجهه وآخره في العمل، ولقد أنفقت بعضه في تيسير الغذاء لك، فكل منه تصب النفع العميم يا ولدي.
وكانت المرأة العجوز قد أعدت الحساء وشيئا من السمك وهيأت آنية الماء لغسل يدي إذا ما انتهيت.
وجعلت والدتي تحدثني عن مخاوفها وآمالها في الوقت الذي كنت أصيب فيه من الطعام. فقالت:
«لقد سمعت في لحظة ما زئير الأسد عندما أقلعت السماء فجأة، ولقد تملكني الخوف الشديد عليك لأن الزئير قد سمع من جهة «كيبولا». وخفت