تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

القوة في ساقيها الكسيحتين. ولم يكن للمرأة بد من متابعة سيرها البطيء نحو الحقول وهي تردد كعادتها كلماتها البذيئة المعتادة.

وقطع الطريق خلد فأنقذ المرأة العجوز من سخرية جديدة لأن الأطفال شرعوا يتنازعون فيما بينهم لأن كلا منهم كان يأمل الاستئثار بذلك الحيوان الصغير.

ولما عدت إلى القارب سألت صاحبيه عن قصة المرأة العجوز وهل كان لها أولاد وما كان مصير هؤلاء ولماذا لا يقدمون إليها بعض العون؟ فعلمت منهما أنه كان لها عدة أولاد كبروا فتزوجوا وهجروا القرية فلم تعد تعلم من أمرهم شيئا. أما سكان القرية فقد أصبحوا لا يطيقون الاستمرار في تقديم المعونة لها لأنها كانت تنالهم جميعا بكلام بذيء. والحقيقة هي أن الناس قد جبلوا على العياء إذا قدموا مساعدتهم إلى شخص لا يجديهم نفعا في شيء وينفق وقته في التشكي والشتيمة. وأنهي «مويلبا» كلامه قائلا «إن مثل هذه المرأة الهرمة من النساء العاجزات المقعدات مخلوقات تثير الضحك وإن كانت سخيفة صعبة المراس».

وأخذت أفكر فيما رأيت فرق قلبي، ولم أستيقظ من تفكيري العميق إلا عندما وصلنا إلى «نامبا» وكان «مويلبا» يحكي لزميله (بواليا) قصة سأقصها عليكم كما سجلتها:

«لقد عزمت هذه السنة على اصطياد الوشق لأن فراءه ثمين يقبل الأوروبيون القاطنون بالناحية على اقتنائه، وقضيت عدة أسابيع في الصيد بجوار بحيرة «كيالي»، وكان الوقت موسم الأمطار الذي يخرج فيه السمك من البحيرات إلى الأنهار ليتيه في المياه التي تطغي على الأرض كلها فيجعل ذلك الحيوان يقتفي الحيتان ليأكلها، وكنت قد عزمت على الإقامة بالقرية أسبوعا كاملا بعد توفيقي في الاصطياد، ثم إني كنت أريد بيع الفرو والجلود إلى تاجر «نشيطا» الذي كان يؤدي مقابلها أحسن الأثمان، ولما كانت الطريق طويلة بين «كيالي» و «نشيطا» فقد قررت الاقتصار على الذهاب والعودة مرة واحدة في نفس ذلك اليوم إلى قريتي لأستريح فيها من عناء الصيد والشتاء والغربة.

ولقد كان سفر الذهاب هنيئا محمودا إذ بعت جميع الجلود بأغلى الأثمان. وتوقفت بعض الوقت في قرية «بواليا مبوندا» قاتل الأسود بقصد التحدث إلى بعض صحبي. وكانت الشمس قد أخذت تميل للمغيب عندما فكرت في الرجوع، غير أن سحبا كثيفة منذرة قد عمت الأفق جهة الشرق، وكان لي من الوقت ما يكفيني للعودة إلى بيتي قبل أن تتهاطل الأمطار بغزارة إذا أنا اجتهدت في التجديف. فالقارب خفيف لمن يريد العودة إلى قريته ويعرف الطرق المؤدية إليها. ولقد بذلت في التجديف أقصى المستطاع كما كنا نفعل في المسابقات التي كانت تقام لتسلية البيض، إلا أن السحب كانت تسير بسرعة مدهشة فتلتحق بقاربي كلما تقدمتها بعض الشيء.

وكنت قد اجتزت غابة «كيبولا» عندما أدركني الليل، وكانت المسافة لا تزال طويلة أمامي، وكنت في نفس الوقت أعلل النفس بعدم نزول المطر حتى أستطيع مواصلة السير. وقد بدأت الريح تشتد فكانت تعينني حقا على التجديف وكان القارب يسير بقوة تفوق سرعة الطير وسرعة القطار الذي اخترعه البيض وشاهدته يوم قصدت المدينة.

ولكن سرعة السحب أصبحت أقوى من سرعة قاربي مع الأسف، فلقد أخذت هذه السحب تلاحقني كلما اجتهدت في التجديف للابتعاد عنها، وسرعان ما غابت النجوم عن بصري فعاد كل شيء أسود قاتما، وجعلت أجد مشقة في التمييز بين المسالك وسط الأعواد المرتفعة فوق الماء، وسرعان ما أصبحت كالرجل المعصب العينين. ومن حسن حظي أن السماء كانت تتخللها بعض المناطق المضاءة فأتيقن بأنني لا زلت في الطريق المستقيم كلما تركت تلك المناطق ظهريا. وفجأة أخذ المطر يتساقط رذاذا دافئا أول الأمر ثم غزيرا باردا. وفي لحظة قصيرة أرعدت السماء وأصبح البرق يتخطف بصري، ولقد حاولت الاستمرار في التجديف، غير أن البرد أصاب أطرافي فلم أعد أقدر على شيء.

وحاولت إقناع نفسي بأن بحيرة «كيالي» لم تعد بعيدة وبأنني أصبحت على مقربة من قريتي، ولم يكن عملي هذا إلا من قبيل الكذب على نفسي، فلقد كنت أعلم علم اليقين عند مسيري بالنهار أن البحيرة بعيدة عن «كيبولا»، واستمر تهاطل الشتاء

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٥٤٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٥٤٤