تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فلم تكن البلاد قد تغيرت بعد مرور الكشافة «ليفينغستون» بها قبل ثمانين عاما. ومن الحق أن شركات بعض الفاتحين قد انتعشت وأن هؤلاء قد اجتهدوا في إشاعة الحماس وحب العمل في نفوس السود الكسالى، إلا أن الغاب سرعان ما طغى من جديد فاسترجع ما أضاع من قبل وذهب بآثار الفاتحين الأولين حتى أن الأنهار التي نشاهدها الآن مازالت طبيعتها البدائية التي شاهدها عليها الكشافة الأول.

وكانت المياه الوفيرة تعلو الأرض التي انطلقت فيها الماشية تبحث عن مراعيها، ولم يكن المرء يشاهد إلا الماء يحيط به من كل جانب ويمتد من حوله بقدر ما يمتد بصره، وكانت بعض الأعشاب تطفو فوق الماء وبها عدد لا يحصى من الديدان التي كان يقع بعضها فتموت غرقا بعد جهد جهيد.

ولقد ركبت قاربا أهليا وجدته يتسع لجلوسي لا غير وكان قليل الارتفاع عن مستوى الماء بحيث كان يوشك أن يمتلئ به كلما ضربت بالمجداف. ولم أكن أرى غير الماء والأعشاب. ولم يكن المنظر يختلف شيئا رغم إسرافي في التجديف، فكان رتيبا يبعث الضجر في النفس. وكنت أنفق بعض الوقت في المطالعة والبعض الآخر في الاستماع إلى ما كان يقصه ربا القارب الأسودان من حكايات.

كان أحدهما يسمى «مويلوا» والآخر يدعى «نواليا»، وكلاهما من بلاد «باطوا دي روبونا». ولقد كانا شابين متوحشين قويين من مواليد بلاد تقع عند الجنوب الغربي من البحيرة، وبلادهما عبارة عن سهول ممتدة لا نهاية لها، وأهل هذه البلاد لا يستثمرون الأرض كما يفعل غيرهم في مختلف الجهات. فلماذا سيجهدون أنفسهم في حراثة الأرض ما داموا يجدون بعض أشجار التين البري إذا ما بلعت الأرض ماءها ويستخرجون أعشاب البشنين إذا ما انغمسوا في الماء إبان الأمطار ليصنعوا لأنفسهم منها دقيقا يقتاتون منه إذا يبست؟. وما لهم وحراثة الأرض ما داموا يستطيعون أن يدفعوا عن أنفسهم ألم الجوع إذا هم مصوا ورق البردي الذي ينبت في كل الجهات؟. ولماذا يرهقون أنفسهم في حراثة هذه الأرض الجحود ما دام في مستطاعهم أن يصطادوا بكل سهولة في بحيرة «كيالي» متى أرادوا أكل السمك؟.

وما هي الفائدة من صيد البر لولا الرغبة في استبدال دقيق الأعشاب باللحم التي تعرض للشمس ليسهل افتراسها؟. إن سكان «كاباطا» مشغوفون بالفلاحة، ومع ذلك فهم معروفون بالشره في أكل لحم الماشية والسمك كما هم معروفون بالعجز عن الصيد والاقتناص. إن الجوع يستبد في غالب الأحوال بسكان «باطوا دي كيبوبا». إن الحسرة لا تغني شيئا ما دمنا نعلم أن من الأيام ما يكثر فيها الغذاء حتى يشبعون ومنها ما ينضب فيها الضرع فيجوعون حتى يقيئون دماء أحشائهم. إن كل واحد منهم يعرف هذه الحقيقة ويعرف أنها لن تتبدل أبدا، وإن يقينه هذا يصرفه عن الشكوى، وهذا ما جعل أهل «باطوا دي كيبوبا» أشداء أقوياء لا يشكون صروف الدهر أبدا.

وقد توقفنا خلال بضعة أيام بقرية «مويوا مومبا» بجزيرة «ماطونغو»، فقد رأينا الناس مازالوا يشتغلون في أكواخهم ويعدونها على استعجال، وكانت هناك امرأة عجوز تجتهد بدورها في إنشاء كوخها مع أنها كانت مقعدة كسيحة، فلقد كانت تحبو وهي تتمتم بما لا يفهم من القول أملا في إيناس نفسها، وكان أطفال القرية يجتمعون من حولها فيستهزئون بها ويجدون لذة في إيلامها حتى ينطلق لسانها بالكلمات النابية علما منهم بأن ذلك المنظر عديم المثيل في تلك الجزيرة، وكان يجتمع حولهم بعض المتفكهين المشغوفين بالتنكيت فكانوا يقولون إن المرأة العجوز ستصل في الوقت المناسب لبذر اليقطين، وكان المارة يضحكون ويسرفون في الضحك لأن الناس كلهم يعلمون أن اليقطين يوكل في شهر أبريل، وكان هذا القول الذي يضحك الصبية يؤلم المرأة المسنة فكان لسانها ينطلق بالسباب والشتم لمن يسيئون إليها، فلقد كانت تصيح فيهم قائلة بصوت جهير: «اذهبوا يا أبناء الأشقياء الذين تسخرون من امرأة عجوز، فانتم ستردون في يوم من الأيام إلى أرذل العمر وستصبحون عاجزين قعدة». إلا أن دعاءها عليهم كان يأتي بنتيجة مخالفة لما كانت تبغي، فلم يكن الأحداث يرون في كلامها إلا ضربا من الهذر الذي يثير ضحكا جديدا، فلم يسمع قط أن اللعنة الموجهة للغير قد أبرت صاحبها من العلة التي يشكوها. فإذا كانت المرأة العجوز تجد في نفسها القوة لتوجيه اللعنات إلى الأطفال فإنها لم تكن تجد في تلك اللعنات ما يبعث

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٥٤٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٥٤٣