تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق س 3 ع9/يونيو 1960 .................. ص79

پاسترناك: الأديب الخالد

ولد «بوريس پاستيرناك» يوم عاشر فبراير لسنة تسعين وثمانمائة وألف بمدينة موسكو التي لم تكن أنداك عاصمة البلاد. ولقد كان والده يدير مدرسة للرسم بينما كانت والدته فنانة موسيقية موهوبة. وعرف بيت پاستيرناك بصداقته لأعلام الفنانين والكتاب المعاصرين وخاصة للسيد «سكريابين» ولسليون تولستوي.

وأقبل بوريس أول الأمر على دراسة الموسيقى بموسكو ثم انتقل إلى ألمانيا بها القصد أيضا. وكانت القرائن الأولى تنبئ بتبريزه في الموسيقى إذا هو ثابر عليها. غير أنه آثر الأدب فارتبط عمله فيه بإنتاج فئة الشبان من كتاب المستقبل. وقد عرف بصداقه للأدبيين «إيسنين» و «ماياكوفسكي» وذاع صيته بين أقرانه لما نشر ديوان أشعارها الأولى في السنة الثالثة عشرة من هذا القرن. وواظب بوريس پاستيرناك على نظم الشعر خلال ثلاثين عاما. ويقول نقاد الشعر الروسي أن قصائده البديعة كافية لتخليده في سلك الإعلام المبرزين. وقد أخذ نفسه في هذا الوقت بمهمة جليلة هي نقل نتاج «غوته» الروسية فكانت ترجمته الأمنية البديعة ترجع في جمال أسلوبها وإتقان سبكها بالكتب الأصلية في بعض الحيان ما أثبت قادة النقد الأدبي المعاصرون.

وكان الأديب الراحل يقيم بقرية «بيريد لكينو» التي تبعد ثلاثين كيلومترا عن موسكو وتعتبر عاصمة الأدب السوفياتي. وكان جيرانه يؤثرونه بالعطف وإن كانوا يعلمون عنه عدم أخذه بالتعليمات المرسومة لإنتاج الأدب على نحو ما تبتغي الدولة. وإذا كان بوريس پاستيرناك قد أمسك لهذا السبب عن نشر نتاجه القيم فقد كان زملاؤه يعترفون له بالتبريز ويقرون له بالإبداع والإجادة. وكان كبار الكتاب الغربيين لا يتخلفون عن زيارته في تلك القرية الآمنة المطمئنة كلما حلوا بالعاصمة فكانوا يشيعون فيها ظاهرة التطلع والاستغراب.

وكان الكاتب الشاعر متيما بقصة يحسها في فرارة نفسه ويحرص على إذاعتها بين الناس وهي قصة رجل عضه ناب الثورة فجعل يبحث عن لغز الحياة ولغز الموت ليستكشفهما. ولقد قال جملة طار صيتها في الآفاق وهي انه لم يسبق في الوجود رجل صنع التاريخ لأن التاريخ يصنع كما ينمو العشب دون أن يحس به أحد من الناس المحيطين به والمترددين عليه.

ولم يكن الكاتب أول الأمر يداعب أي أمل حول مصير قصته الحبيبة إلى نفسه. فلقد أقبل على كتابتها ليستمتع بها أو ليخلفها بعد مماته. ولم يفكر عند الشروع في كتابتها في دفعها لإحدى دور النشر. إلا أن وفاة ستالين جعلت الكاتب يحس بأن أشياء كثيرة قد تغيرت في الإتحاد السوفياتي وإن ما كان حراما من قبل قد يصبح حلالا. فلقد قامت مجلة «زنانيا» بنشر موجز مطول للقصة بينما امتنعت مجلة أخرى عن نشرها كاملة. وسلم الكاتب نسخته الخطية إلى رجل إيطالي كان يعني بنشر الكتب وينتمي في نفس الوقت إلى الحزب الشيوعي فنشر القصة التي أحدثت رجة في عالم السياسة ودنيا الأدب جميعا.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٥٣٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٥٣٤