تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

صدرت قصة «الدكتور جيفاغو» مترجمة إلى الإيطالية ثم نقلت إلى الفرنسية والإنجليزية وإلى لغات أوربية عديدة أخرى قبل أن يعلم بها جمهور القراء في الإتحاد السوفياتي. وكان المؤلف يعلل نفسه بالقدرة على نشرها في وطنه بحذف فقرات معدودات منها. والحقيقة أننا لا نعثر في القصة كلها ولا على فقرة واحدة يمكن اعتبارها ماسة بالمذهب الشيوعي. والحقيقة أيضا أننا نجد القشة كلها خالية من نفوذ هذا المذهب السياسي والاجتماعي ولا أثر له فيها. وصدر قرار الإنعام بجائزة «نوبل» على الكاتب الروسي المبرز فحدثت الضجة السياسية الكبرى بعد الرجة الأدبية التي كانت مقصورة أول الأمر على الإتحاد السوفياتي وهيئة أدبائه الأعلام.

وكان من نتائج الضجة السياسية نقل القصة إلى العربية فجاءت ترجمتها غير موفقة في عدد من المراحل والفقرات بخلاف ما وقفنا عليه في ترجمتها إلى بعض اللغات الأوروبية.

أما اختيار مجمع الأدب السويدي للكاتب الروسي والإنعام عليه بالجائزة الأدبية الكبرى فلم يكن يستجيب لأغراض السياسة بخلاف ما ذهب بعض النقاد إلى إثباته والسعي لاستنكاره سواء كان أولئك النقاد روسيين أو أجانب. فمما لا جدال فيه أن «يوريس پاستيرناك» كان منذ مدة مديدة في طليعة الشعراء المجدين في الشعر الغنائي فالتحق بزمرة القصصيين الروس الأعلام خلال العقود الثلاثة الأخيرة. وإذا كان القراء قد أقبلوا في السنتين المنصرمتين على مطالعة «الدكتور جيفاغو» في ترجماتها العديدة إلى مختلف اللغات فالسبب في ذلك يرجع إلى أن الأديب الراحل قد سجل تاريخ وطنه ووصفه وصفا اقترنت فيه الدقة بالأصالة وإلى انه توفق كثيرا في وصف نزعات بشرية قلما تختلف انفعالاتها بين سكان الأرض وإن اختلفت طرائقهم في الاجتماع والاقتصاد والسياسة وتفاوتت حظوظهم في بسطة العلم وسعة السلطان.

لم يعرف عن الشاعر الفحل والكاتب القدير أنه اندرج في الحزب الشيوعي أو اجتهد في التبشير بمبادئه. غير أنه عرف على الدوام بعظيم إعجابه بالوطن والحرص على البقاء فيه وإن اقترنت إقامته بالشقاء، فلما استغلت الجائزة الأدبية الكبرى لأعراض سياسية وقامت قيامة الكتاب الروس وجه السيد پاستيرناك كتاب استعطاف إلى الوزير الأول حتى لا يحكم بنفيه من الأرض. وقد تدخل السيد كروشجيف نفسه لإسكات تلك الحملة أو تهدئتها على الأقل. ولو ارتحل الكاتب عن روسيا لوجد المجد والتشريف والمال في الأقطار التي استضافته. إلا أنه آثر تجشم كل المحن التي قد تكتب عليه إذا رخص له بالبقاء في الوطن ولم تقم المصاعب من حوله إذا هو أراد الاختلاط بأفراد الشعب. ولقد أبان پاستيرناك عن صبر واحتمال لا يقل في شيء عما اشتهر به غيره من الشعراء والكتاب الروسيين الذين دخلوا في سجل التاريخ الذي لا يفنى.

ولم يفتأ صاحب «الدكتور جيفاغو» يصرح بأنه لم يندم على شيء صدر عنه وأنه ابتغى بكتابة تلك القصة الطويلة الإسهام في تطوير النضج الفكري في وطنه وإن كان قد أخطأ في تقدير المرحلة الراهنة لذلك النضج. أما خصوم الكاتب من المنافسين فقد قالوا عنه أنه مختلف بمدة أربعين سنة عن حقيقة الفكر الروسي المعاصر.

إن قصة «الدكتور جيفاغو» لوحة تاريخية تصف الوطن الروسي أجمل الوصف وتبرز ما فيه وما في أفراده من سمو وخسة باعتبارهما القطبين اللذين يضطرب بينهما البشر كافة. أما نقطة الارتكاز في هذه القصة بل المحور الذي تدور أحداثها عليه فهو أن الأفراد فانون وأن الوطن يبقى.

وإذا نحن رجعنا إلى نتاج «بوريس پاستيرناك» وجدنا أنه شرع يبدع في النظم ويجيد في النشر منذ خمسة وأربعين عاما. فلقد صدر كتابة القيم الأول «ما بعد الحاجز» سنة سبعة عشرة وتسعمائة وألف. ثم كتب «أختي الحياة» و «الضابط شميد» و «الميلاد الثاني» و «العرض». ووضع كتابا تناول فيه ترجمته وعنونه «رخصة المرور». واشتغل أثناء الحرب الأخيرة بنظم قصائد وطنية رائعة ثم نشر «النوع البشري» سنة خمس وأربعين وتسعمائة وألف. ولقد أنفق السنوات العشر الأخيرة في تنقيح قصته الكبرى التي فازت بجائزة «نوبل» للأدب سنة 1958.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٥٣٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٥٣٥