دعوة الحق س 3 ع9/يونيه 1960 .................. ص76
اعرف قارتك الإفريقية: غينيا: دولة قائدة
بقلم: سورت كنال
كان استقلال غينيا مفاجأة مدهشة للذين استبشروا وللذين حزنوا له على السواء.
ولقد كان نجاح التجربة الغينية مفاجأة أخرى، لأن الذين اختاروا بشجاعة هذا الاستقلال كانوا هم أنفسهم يشكون - في البدء - بالمستقبل، ويخشونه.
وهناك مفاجأة ثالثة كانت من حظ المراقبين السياسيين. ففي مطلع سنة 1959 كتب الصحافي السويسري «فرنان جيكون» مقالا بعنوان " غينيا دولة قائدة "، ولم يكن هذا محض تفكير فردي، وإنما كان وحي واقع تاريخي، إن غينيا، من حيث لا تقصد، توجه اليوم سياسة إفريقيا كلها، وتقود جبهاتها المختلفة. يشهد لهذا أن حزب السيد نيكروما وما في غانا قرر أن بحور خطته مستوحيا مبادئ الحزب الديمقراطي الغيني، وأن دولة «مالي» في السنغال والسودان تستوحي التجربة الغينية صراحة في جملة اتجاهاتها ووسائلها. أما الإفريقيون في الكونغو وجنوب إفريقيا فيتطلعون إلى مناهل التجربة الغينية، جادون في احتذاء مثالها وهو في نظرهم مثل أعلى.
إن مبادئ الثورة الغينية لم تستأثر بقلوب أصدقائها خاصة، فإن أعدادها كالسيد هفويت في الشاطئ العاجي وجدوا أنفسهم أيضا مدفوعين إلى إتباع الحلول والنظريات التي عممتها هذه الدولة الفتية.
لا معجزة في غينيا
لم يكن ما حدث في غينيا معجزة، ولا صدفة ومحض اتفاق، وإنما نتاج نضال مستمر مثمر، فإن سنوات طوالا بقيادة حزب غينيا الديمقراطي الموحد لتمهد بالتأكيد سبل التحرر، ومن أقرب ما يذكر في هذا الصدد قصة التطورات الصراعية التي تعرضت لها جبهة التحرر الموحدة والتكتل الإفريقي الديمقراطي في غينيا وشقيقاتها. والمعروف أن حركة الجبهة هذه أحرزت نجاحات انتخابية كبيرة سنة 1946 - 1947 في سائر مناطقها غير أن تغلغل الجهة في أوساط الشعب لم بكن متينا، ولا صحيح المنهج خارج غينيا من مراكز الحزب الإفريقية، من هنا تقطع الحزب، واستطاع الاستعمار (سنة 1950 - 1951) أن يقضي على كافة فروعه خارج غينيا قضاء مبرما. أما في غينيا فقد بقي قادة الحزب أمناء على اتجاهاته التحريرية مرتبطين بالشعب وفق أسسه وتنظيماته دون أن يقطعوا علاقاتهم مع الانتهازيين أمثال هرفويت وبوانيه الذي كان يفعل في الجماهير فعل السحر.
وعلى الرغم من إبقاء روابطهم مع العملاء في الظاهر كرس قادة الحزب الغينيون حياتهم لتشكيل الشعب الغيني وتعبئته، وأخذوا على عاتقهم قضية الدفاع السريع المحسوس عن مصالحه وحريته، وظهرت أعمال الحزب بسبب تلك الجهود، ظافرة ظاهرة في أكثر من ميدان، كميدان الصراع النقابي لتحسين الرواتب، وميدان الحرب ضد التفريق العنصري، وميدان النضال ضد السلطة المستعمرة، وخاصة ضد «الإقطاع» عميلها المباشر.
إن الرئاسات الوراثية المزروعة، وأن انتبت إلى أسر عريقة، لم يبق لها شيء في غينيا من هذا التراث، فالسلطة الفرنسية نفسها سلبتهم هذه المزية منذ زمن بعيد، إذ أنها استخدمت الوراثيين هؤلاء