المجلد الرابع من مجلة «الدراسات الشرقية» ويعزو السيوطي إلى النبي أنه قال «أن المحراب من شأن الكنائس, وأنه عن إدخاله في المسجد». ويرد الدكتور أحمد فكري العالم المصري، بأننا لا نأخذ بصحة هذا الحديث، وناقله عاش في القرن الثامن الهجري، فهو لم يسمعه بنفسه عن الرسول، كما لم ينقله مؤرخ آخر قبله من طليعة مؤرخي الإسلام
أما الحجة الثانية فقد أخرجها الكابتن كريسيويل من «خلاصة» السمهوري الذي ذكر فيها أن الوليد لما أراد أن يعمر مسجد الرسول كتب إلى ملك الروم ليرسل إليه عمالا وفسيفساء، فبعث إليه بأربعين من الروم وبأربعين من القبط. وانه نقل عن الواقدي أن عمل القبط كان بمقدم المسجد، فاستنتج كريسيويل من هذا أن هؤلاء القبط أحدثوا المحراب المجوف بمسجد المدينة. في حين أن السمهوري لم يذكر هذا مع أن روايته نفسها تحتمل الشك، حيث رواها على ثلاثة أوجه وكلها مختلفة من حيث عدد العمال وجنسياتهم، كما أن السمهودي ينفرد بذكر رواية القبط ولم يشاركه فيها ثقاة المؤرخين الذين نقلوا تاريخ مسجد المدينة وتطوراته، كابي سعد واليعقوبي والطبري والبخاري وابن بطوطة وغيرهم.
وإذا سلمنا جدلا بصحة رواية السمهودي، فإن هؤلاء العمال القبط أو غيرهم كانوا يعملون تحت إشراف رئيس مسلم اسمه «صالح بن كيسان». وليس من الجائز أن قلة من الأجانب يبدلون من نظام أول مساجد الإسلام وأكثرها اعتبارا، ويدخلون عنصرا جديدا فيه وخاصة إذا كان هذا العنصر أساسيا في نظام المسجد، ويعترف المستشرقون بأن المحراب هو أكثر مراكز المسجد تقديسا وأولاها بالإجلال.
كل هذا يدلنا على أن الحديث الذي عزاه السيوطي إلى النبي ينقصه السند ولا يقبله النقاش وان رواية السمهوري يحوم حولها الشك، وكلا المؤرخين عاش في عصر بعيد عن الحوادث التي ذكرناها، ولم يشر إليها مؤرخ أقرب منهما لها بل ينقض روايتهما كثير من المؤرخين، ومن هذا يتضح لنا أن الرأي القائل باشتقاق المحراب من الكنائس لا يقوم على حجة ثابتة ويفتقر إلى برهان.
هذا، ويستخرج لنا الدكتور فكري حجة من مسجد القيروان لنقض آراء المستشرقين.
لقد اجمع المؤرخون على انه في سنة 50هـ خط عقبة مسجد القيروان، وإبان مكان القبلة وأقام محرابه فيه، وظل هذا المحراب طوال السنين موضع إجلال القوم وتقديسهم، ولم يمسه أحد بسوء، بدليل أن زيادة الله عندما أراد هدمه وألح في ذلك لم يجبه أحد وحيل بينه وبين هدمه بل يحدد البكري الكلمات فيقول «لما كان قد وضعه عقبة». وهذا دليل تاريخي، فالبكري أولى بالثقة من الأب لامانس.
وإذا تركنا العناصر المعمارية تتكلم، فإن محراب عقبة الذي رآه البكري قال: «هو على بنائه إلى اليوم». نراه نحن كذلك اليوم خلف اللوحات الرخامية التي أقامها زيادة الله فهي تخفي من ورائها جدارا منحنيا هو عبارة عن جوفة في جدار القبلة.