تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إلا أن الأستاذ مارسيه ( Mercais) يوضح أن هذه الجوفة أمر طبيعي لإظهار زخارف الرخام المخرم الذي أقامه زيادة الله, وان هذا الاحتيال هو الذي أدى إلى نشأة أسطورة المحراب, وإلى اختلاق القوم لحديث محراب عقبة.

و نحن لا نقبل رأي مارسيه لسببين: فإذا كانت هذه الجوفة قد شيدت وقت بناء زيادة الله لمحرابه الجديد, لكان من الواجب أن تدل مظاهر بنائهما على وحدة الزمان, فان محراب زيادة الله وقبته بصناعتهما البديعة وموادهما الثمينة يتنافيان مع بناء هذه الجوفة الغليظة الفقيرة, فهذه الجوفة لا تنتمي لعصر زيادة الله بل هي محراب عقبة المجوف.

وإذا كانت الجوفة بناها زيادة الله لتوضيح نقوش رخامه, لازم أن تكون أكثر اتساعا, في حين أنها تقرب من لوحات الرخام حتى لتمسها أحيانا فلا يخترق النظر خرومها ولا يمرح الهواء فيها ولا تتدلى اللوحات أمامها بخفة ورشاقة, فهي ليست وسيلة لإظهار جماله بل عائق لوضوحه, وليس من المعقول أن يقوم هذا الحائط الغليظ ليكون ستارا أنيقا لهذه المنسوجات الرخامية البديعة, وينتهي حل هذه المشكلة برواية البكري عن بناء زيادة الله, الذي حاول إرضاء رغبة الأمير في هدم المحراب القديم و إرضاء اعتقادات قومه المترفين, عندما قال زيادة الله «أنا ادخله بين حائطين و لا يظهر في الجامع أثر لغيرك»

وبعد هذا تطور شكل المحراب واتخذ شكلا مستديرا لان عقود المسجد كلها أنصاف دوائر ولا ينسجم شكل المحراب في نظام بيت الصلاة بغير هذا المظهر.

وبعد أن أبنا عدم اشتقاق المحراب من الكنائس نبحث عن الأصل في نشأته معتمدين أيضا على حجج الدكتور فكري, فلو كان القصد به الدلالة على اتجاه القبلة لا نستعيض عنه بشيء أخر, لوحة بارزة أو ستارة أو علم أو خلافه.

ولما كنا نعلم أن المصلين يقفون في صلاتهم في صفوف مستقيمة بالمسجد, خلف إمام منهم وأن هذا الإمام يقف منعزلا ويحتل من المسجد صفا مستقلا, وإذا عرفنا اتساع جدار القبلة أكثر من عمقه بدافع من السنة التي جعلت للصلاة في الصف لأول بركة زائدة فقيل عن الرسول (ص) «لو يعلمون ما في الصف المتقدم لاسهموا» ولهذا رغب المسلمون أن يمتد الصف الأول إلى أقصى ما يسع السبيل. فإذا أدركنا أن الصف الواحد في مسجد القيروان يتسع لمائتين من المصلين الذين كانوا يملئون بيت الصلاة وبهو المسجد وزياداته ثم يضيق بهم المسجد فيصطف أكثرهم في الطريق, إذا علمنا كل هذا أدركنا أنه من الحيف أن يحتل الإمام صفا واحدا لنفسه, ويدفع بمائتين من المصلين خارج المسجد بلا مأوى من القيظ أو المطر.

الحق أن هذا كله لم يغب عن عقبة وأصحابه, فابتكروا المحراب المجوف ليدخل إليه الإمام في صلاته, وهي فكرة بسيطة لا تتطلب أكثر من هذا البحث في نشأتها, ولا يستقيم الادعاء باشتقاقها من الكنائس ويكون محراب عقبة هو أول محراب مجوف ادخل على المساجد منذ عام 50 للهجرة.

وننتقل الآن إلى دراسة اللوحات الرخامية التي تبطن جوف المحراب, ولقد سبق أن أشرنا إلى رواية البكري بأن هذا الرخام أقيم في عهد زيادة الله سنة 221.

ولكن أحد الكتاب التونسيين الذين عاشوا في القرن السابع الهجري, و المسمى عبد الرحمن الأنصاري المعروف بالدباغ, خلف مخطوطا اسمه «معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان». الذي جمعه ابن ناجي التنوخي و الذي طبع أخيرا, يذكر في كتابه أن أبا إبراهيم احمد هو الذي أقام هذا المحراب الرخامي بعد التاريخ الذي اتفق عليه معظم المؤرخين بعشرين عاما, أي عام 241 هـ, قال الدباغ: «أنه جلبت لهذا الأمير (يقصد أبا إبراهيم احمد) تلك القراميد لمجلس أراد أن يعمله وجلبت له من بغداد أخشاب الساج ليعمل منها عيدان (أي ملاهي) فعملها منبرا للجامع, وجاء المحراب مفصلا رخاما من العراق عمله في جامع القيروان, وجعل تلك القراميد في وجه المحراب, وعمل له رجل بغدادي قراميد زادها إليها, وزينه تلك الزينة العجيبة بالرخام و الذهب و الآلة الحسنة».

والظاهر أن الفقيه الدباغ خلط القراميد بالرخام, فلم تستقدم لوحات المحراب الرخامية من العراق, و التي استقدمت هي تلك القراميد القيشانية التي تكسو جدار القبلة.

أما أبو إبراهيم احمد فإليه يرجع الفضل في زينة حائط المحراب بلوحاته الخزفية التي كان قد استقدمها من العراق لتزدان بها جدران مسكنه, وكان حائط المحراب خلوا منها سنة 221 هـ أيام زيادة الله.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٥٢٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٥٢٧