تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

نعيشه الآن، إننا نعاني استعمارا عقليا في ذلك من شك، فماذا يجب لجلاء هذا النوع من هذا الاستعمار؟

إن مراجعة برامج التعليم مراجعة عميقة وبروح محررة من كل تأثير لهذا الغزو الإسعماري هي أولى الوسائل التي ينبغي استخدامها لتغيير الوضع القائم وللقضاء على مظاهر الاستعمار الفكري في جميع صوره لعهد الاستقلال، وليس من شك في أن أعداد جيل يتطلب وقتا وإمكانيات، ولكن المؤلم هو أن واقعنا اليومي يشهد بأننا ما نزال لم نعبأ ما لدينا من إمكانيات ونبحث عما هو غير متوفر لنا منها، حتى أنه ليمكن القول بأن برامج التعليم ما تزال خطوطها الأساسية على ما كانت عليه في عهد الحماية, وصحيح أن وزارة التربية الوطنية بذلت وتبذل كل جهد ممكن لتوسيع دائرة التعليم, وصحيح أن هذه الوزارة تسعى لتدارك ما فوته الاستعمار علينا، غير أن الوسائل التي تستخدم في هذا الباب ينقصها العمق من جهة، ويظهر أنها وسائل ضعيفة المفعول بالنسبة إلى ما تتطلبه معركة التحرير للقضاء على هذا النوع من الاستعمار من جهة ثانية، وللوصول إلى هذه الغاية ينبغي أولا أن يتوفر الجهاز الإداري في وزارة التربية الوطنية على عناصر حية وواعية تتمتع بكفاءة عملية وتومن إيمانا قويا بوجوب إبراز الشخصية المغربية وتكون لديها المقدرة العلمية والفنية على صياغة البرنامج في مختلف مراحلها في إطار عربي ومغربي تعطى فيه العناية لإنشاء جيل يتمتع بكيان قومي مع الأخذ بوسائل التطور التي يستوجبها العلم الحديث، ويمكن الاستفادة في هذا الباب من خبرة وكفاءة الخريجين من المعاهد والجماعات العربية الذين يتزايد عددهم في المغرب دون أن تستفيد البلاد منهم في بناء الشخصية الفكرية للمغرب، والذين يرمون هذه العناصر بضعف في الكفاءة والخبرة إنما هم بعلمهم هذا يمدون في عمر الاستعمار الفكري ولا ترتكز علتهم هذه على أساس صحيح إذ ما دامت هذه العناصر تتوفر على أصول الثقافة العربية فمن السهل جدا توجيهها والعمل على تقوية خبرتها للاستفادة منها، وذلك في دائرة برنامج مدقق ومحدد في الوقت نفسه.

إن جميع وسائل التطور هي عبارة عن موارد خام قد تستورد لسد الحاجيات، ومن الممكن جدا أن تجري عليها عملية سبك وتحويل لتخرج في القالب الذي يتفق مع كيان الشعب وروحه ويبرز شخصية الأمة ويمتن جوانبها، وهذا ما ينقصنا في المغرب فربح المعركة من أجل تحررنا من الاستعمار الفكري يتوقف على نجاحنا في تحويل وسائل التطور بحيث تصبح شخصيتنا العربية المغربية تتجسم فيها وتظهر من خلالها دون عناء كبير، ولقد عانت أمم أخرى قبلنا وستعاني أمم أخرى بعدنا هذا النوع من الاستعمار، ولكن الأمم التي عانته قبلنا لم تتردد فور فوزها باستقلالها من أعداد العدة للتحرر منه، فكانت لا تمر عليها سنة من سنوات الاستقلال إلا وتقطع فيها الخطوات ساعية كل السعي ومجدة كل الجد لانتشال شخصيتها الفكرية من هذا الضباب الذي تعمد الاستعمار أن يحيطها به، ففي الهند - مثلا - بذل الهنود كل جهد ممكن لأن يفكروا هنودا لا انجلترا، وقرروا أن يكونوا هنودا في تفكيرهم فكان لهم ما أرادوا أو البعض مما أرادوه، وقبل ذلك قرر المصريون أن يفكروا عربا بعد ما أريد منهم أن يفكروا أتراكا أو انجليزا فكان لهم ما أرادوه، وبذلك برزت الشخصية الهندية والمصرية في الميدان الفكري مثلها برزت في الميدان السياسي والتحمت هذه بتلك فكانت الشخصية القومية التي لا بد منها ما دامت المقاييس في هذا العالم تعطى لبروز الشخصية اعتبارها حينما يقه ترتيب الشعوب، ولئن كانت ما تزال بعض الرواسب في هذا الاستعمار الفكري هنا وهناك فإن مآلها إلى القضاء والانقراض، وأن المواطنين الذين ما يزالون يفكرون تفكيرا أجنبيا معذورون في ذلك لأنهم لا بد لهم في ذلك، ولأنهم اضطروا اضطرارا إن لم يكن يكونوا أرغموا إرغاما على قبول العوامل التي كونت تفكيرهم وهي عبارة عن مواد أجنبية لا من حيث المادة ولا من حيث التحويل، لقد أعطوا هذه العوامل وهي جاهزة تحمل الطابع الأجنبي فكان مما لابد منه أن يتكيف تفكيرهم بكل ما يترتب عن هذه العوامل، وكان من نتيجة ذلك أن أصبح البعض ممن يعانون هذا النوع من الاستعمار الفكري يرمون، لغتهم وتفكيرهم القومي بالقصور والتأخر، وكان من نتيجة ذلك أن فتن البعض منهم بهذا التفكير فاستهوته أساليبه ومقاييسه فلم يعمل على تحويلها وإضفاء الصبغة القومية عليها، وكان من نتيجة لك أن المغرب في الوقت الحاضر أصبح يضم نماذج «وعينات» من التفكير، وكان من نتيجة لك كله هذا الإضطراب الفكري الذي نلاحظه في عدد من الصور وفي عدد من قضايا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وبدون أن ندخل في تفاصيل أخرى فإن الشيء الذي لا فائدة من نكرانه هو أننا ما نزال نعاني استعمارا فكريا، وأنه يجب علينا أن نبذل كل الجهود

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٥٢٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٥٢٣