تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق س 3 ع9/يونيه 1960 .................. ص67

الاستعمار الفكري أيضا ...

بقلم: ابن عباد

ما يزال المغرب يعاني نوعا آخر من الاستعمار، ولربما كان هذا النوع من الاستعمار أشد مرارة من الاستعمار السياسي الذي تحررنا منه، ونعني بهذا النوع من الاستعمار الاستعمار الفكري الذي يحول دون إبراز شخصيتنا القومية بجميع مقوماتها، ومما لا شك فيه أننا نعيش في القرن العشرين، وأنه يجب علينا أن نسعى سعيا جادا لتكييف جميع مظاهر التطور في بلدنا وفي مختلف الميادين، ومن اللازم أن نتفاعل مع هذا التطور ونسايره مسايرة تمكننا من الجلوس في صف الأمم المتحضرة والمتطورة، ولكن ينبغي أن نسير في هذا الاتجاه بشخصيتنا وبمقوماتنا الأساسية, فهل نحن سائرون في هذا الاتجاه? وهل نبذل الجهود لكي نتحرر من الاستعمار العقلي الذي كان الاستعمار الفرنسي قد وضع له الخطط ليعزز به الاستعمار السياسي في بلدنا؟ وللإجابة على هذه الأسئلة ينبغي أن نرجع قليلا إلى الوراء لنشير ولو إشارة عابرة إلى الطريقة التي سلكها الاستعمار الفرنسي في طمس الشخصية المغربية عقليا أو سجنها على أقل تقدير.

لقد كانت برامج التعليم في المغرب توضح بدقة وعناية لتكوين طبقة من المتعلمين أو أنصاف المتعلمين لا يعرفون سوى اللغة الفرنسية، وتعمد الاستعمار أن تظل دائرة هذا التعليم ضيقة بحيث لا يستفيد منه سوى المحظوظين، وزيادة في إنجاح هذه الخطة عمد الاستعمار إلى ربط هذا النوع من التعليم بالوظيفة وجعل هذا التعليم هو مفتاح لأبواب كل وظيفة, ولم تجد الأقلية من المتعلمين وأنصاف المتعلمين في عهد الحماية بدا من قبول هذا الوضع على علاته، فنظام مدارس «أبناء الأعيان» إلى أنشئت في أول عهد الاستعمار كانت في واقع الأمر تمثل حجر الزاوية في بناء الهيكل للاستعمار الفكري والأقلية من أقلية المتعلمين هي التي كان تستطيع مواصلة الدراسة الثانوية والتعليم العالي، ولقد حرص الاستعمار كل الحرص على أن تكون هذه الأقلية تكوينها عقليا يبرز منه الطابع الأجنبي، وزاد الاستعمار فعمل على عزل التعليم العربي وجعل من اللغة العربية عملة لا يمكن صرفها في السوق، كما أنه جعل من التعليم العربي تعليما تقليديا يحتفظ به مثلما كان تحتفظ مصلحة بوزارة في عهد الحماية بالمناثر التاريخية. وجعل اللغة العربية تدرس في المدارس العصرية على سبيل المجاهلة ولكن إلى حين، فنشأ في المغرب جيلان متبانيان في تكوينهما العقلي وتلك هي الأزمة التي نعانيها اليوم، وهي التي جعلت المغرب العربي المسلم تقوم فيه حملة من أجل مغربة الإدارة وتعريبها، ومعنى ذلك أن هذا المشكل الذي نعانيه اليوم لا يتعلق بتغيير إداري صرف يحتاج إلى قرارات تتخذ لتغييره وقلب أوضاعه، إن المشكلة في رأيي هي أعمق من ذلك بكثير، إنها في واقع الأمر ظاهرة بارزة تمثل الاستعمار العقلي وإذا أردنا أن نكون واقعيين وعمليين في علاج هذا المشكل فيجب أن نعترف بهذه الحقيقة وهي أننا نعاني استعمارا عقليا، وأننا مطالبون بتحرير العقول المستعمرة، بحيث تصبح الناحية الفكرية في المغرب متوفرة على مقومات الشخصية المغربية وهي معركة يجب أن نخوضها كذلك لأنها لا تقل أهمية عن المعركة التي نخوضها من أجل الجلاء، بل أن تحقيق هذا «الجلاء الفكري» يعد هو كذلك أمرا أساسيا لاكتمال سيادتنا من جميع الوجوه وسيان في الانتقاص من سيادتنا بقاء الاحتلال العسكري والاحتلال العقلي, هذا هو الوضع الذي

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٥٢٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٥٢٢