يبق في مقدوره إعادة تصالح الأجزاء المتناثرة العاطبة من وجوده. إنه يقف كل يوم أمام اتهام جديد يجرده من عروبته، ومن وجوده، ويفصله عن التربة التي نشأ تحت سمائها، وزكا عوده في ربوعها، بل أكثر من هذا أنه يهاجم في صميم ذاته، ولأنه لا يملك الحرية فليس في مقدوره إذن أن يجابه هذا التحدي السافر، أو يصد تلك المؤامرة الغربية الصهيونية على وجوده، ومحاولة سلخه عن مهاده وطرده من أرضه، وينقل بصره يمنه ويسره نحو الأجزاء الداخلية لواقعه، فيندهش إذ يلقاه يغص بمختلف ضروب النشاط الفكري، وتكتسحه أول ما يدلف تيارات مذهبية ودعوات حزبية، حين يتبصرها ويمعن النظر في أغوارها، تفجأه الحقيقة المفجعة؛ فالنظرية الماركسية المادية، بانحلالها وتفسخها تغاير انطواءاته الأخلاقية، وأصالته الروحية وهي بتمرغها في جوابي الوحل المادي تناقض المفاهيم التي حملها منذ أن كان يجوب الصحراء بحثا عن الكلأ والماء، إذ هي نقيض الأفكار المتغلغلة في خلاياه السارية في خلجات نفسه، فهو يفهم العطف والرحمة، ويدرك الشرف والإباء، ويقدس التضحية والإخلاص، ويعتز بالأمانة والإخلاص، ويذود عن عرضه وحرمانه، وهي ترقص هذه القيم الأخلاقية المطلقة على نغمات القرش أو الدولار، وهو حين يفكر في النظام والفرد والدولة يمقت نظرتها التي تجعل من الفرد مسمارا في جهاز ضخم هو الدولة، ويفاخر بشخصيته ويأبي لها الذوبان، ويرى في الماركسية تآمرا على أخلاقه وروحه ووجوده، ودسيسة أريد بها طمسه والقضاء عليه، فيلوي كشحه عنها، ويعرض عن دعوتها الداعرة، فتصدم عينيه نشاطات الرأسماليين والأوليغاركيين والطبقات المترفة، ممن ذهب بهم التنافس الاقتصادي إلى القضاء عليه وحرمانه لقمة العيش التي تسد رمقه، بل كان من جراء ذلك أن رقص المستهلكون من أمثاله على سمفونية الحرمان، وذهبت دماؤهم وأموالهم، نهبا على شفير المصنع ليتلقى المنتجون والملاك دماءهم في أواني الجشع والطمع والنهم التي تغص بها بطونهم، وإذن فإن عليه أن يقف بعيدا عن هذه النظرة أيضا، إذ أنها رغم ادعاءاتها الروحية، وتشدقها برسالة بث الحضارة والمدنية، ترتكب في حق وجوده القومي الجرائم التي يقف هو رغم ما أوتي من خشونة أمامها، ذائبا متصلبا لما فيها من وأد الضمير وتحلل من أبسط الوازعات الإنسانية، فهو إذن مطلوب ليرفض الحضارة الاستعمارية المتآمرة كما رفض النظرة المادية قبلا، أما عن الصيحات التي تبدو لأذنيه أحيانا كنعيق الغراب، فإنه يرى فيها قصورا فكريا وعجزا عن التصور الكلي المحض لقيم الجمال، ولذا فهو لا يأبه بالقومية السورية أو المصرية الفرعونية، ويركلها ساخرا بملء قدميه، ولا يأبه للنظرة التقهقرية التي تريد أن تعود الأدراج بعقارب الساعة وعجلات الزمن، ويحاول أن يتعدى ذاته هازئا بالنظرات الإقليمية المحدودة والنظرات التقلصية التي تسعى جاهدة إلى بث الأشواك وزرع العقبات في طريقه، غير أن شبح المأساة مازال ماثلا أمامه، فكيف ينطلق؟، وما هي ملامح الطريق التي يتحتم عليه اتباعها؟
إن مشكلته هي مشكلة الوجود المتمزق، الوجود الذي يعلوه ركام الأتربة والأساطير والحذر، وعليه إذن أن يعري هذا الوجود ويأخذ به إلى مستوى المعركة التي ينوي إشعالها، ثم يمضي في تحليل الداء .. إنه متمزق ويجب أن تتصالح أجزاؤه، ومستغل ولابد من إعادة الحق إلى نصابه، ومتخلف كنتيجة للاستغلال وسلب الحرية وعليه أن يلحم أجزاء كيانه. إن وحدته هي الضمان الوحيد لاستمرار حيويته، وهي وحدها التي يمكن أن تهبه ارتكازا في هذا المعمور، ويلقي نظرة عميقة في أعماق التاريخ السحيقة، ليعرف ما إذا كان التاريخ يجيب بمستنداته على سؤاله اللحوح .. أعربي أنا؟؟
وفجأة تتهلل أساريره، وتنبسط تجعدات اليأس على وجهه، إن التاريخ يجيب واثقا، نعم، وإذن فليس العربي بحاجة إلى إثبات هذه البدهية، إذ هي إحدى المسلمات والمقررات التي هي في غنى عن المجهود العقلي، إنها من الحقائق الأولية .. غير أن واقعه يتصدى له كالوحش الكاسر، فالأحكام الرجعية والتخلف العلمي، ومجموعة الأوهام، والطراز الاجتماعي القديم، وموجة الاستغلال التي تلفه في جرابها وتقف عائقا عن تقدمه، فما عليه إذن إلا أن يحرر نفسه منطلقا من إسار هذه الأغلال التي أرهقت كاهله، وحزت على عاتقه. إن استعادته لحريته هي الحل الأول لإثبات وجوده، ولا يعتم أن يفاجأ بسؤال رهيب: وماذا بعد تحقيق وحدتك وحريتك؟ إنه سؤال خطير، غير أن طرحه غير ذي انسجام أو وفاق، إن حريته ووحدته مرتبطان ارتباطا حياتيا من