الرهيب في تلاحم الوجود العربي، وفقدان الأصالة. وتكون من نتائجه أيضا التبعية والإلحاق، والتقليد الأعمى. من هذه الحقيقة ننطلق؛ إن العربي اليوم بين أجواء القلق والخيبة، وتنتابه موجة من إعجاب بالحضارة الغربية، منسحقا أمامها انسحاقا غريبا، وترن في أذنيه بشكل مرعب نغمة مسفوحة، هي ذكرى الوجود المبعثر، فهو متعثر مضطرب متقزز. أيستهويه عجيج الآلة، وضجيج الأفران الكهربائية وملامح الحضارة الغربية المادية، فيتقمصها متجاهلا سماته وخصائصه؟ فيغدو تابعا، لا ظل له، لاحقا لا يملك كيانه، سطحيا لا جذر لديه .. ؟ أم ينبهر بتجارب شعب غريب في سحنته، مغاير في ظروفه، مختلف في مفاهيمه وذهنيته، فيغدو بذلك تجاوبا جافا في تجويف هائل يكتسح خصائصه ويلتهم مقوماته، ويستحق طابعه، وليس ذلك فحسب، بل هو يذيب في أحشائه كل مقدرة على الانتفاض، وكل استعداد للتوثب والتحفز؟ أم أنه يتوسط حالا مشكلته بالأخذ من كلا الطرفين فتستقيم له حلوله، وتتسق نظرته حين يحسن الأخذ والاقتباس، ويصبح في مقدوره الاحتفاظ بشخصيته وأصالته دون أن يلحق بهما زيف أو تشويه؟
ما فتئت هذه التساؤلات تعصف بالعربي اليوم. إنه يجهل واقعه، ويصعب نتيجة لذلك أن يتمرد عليه، إنه مهبول أمام استفاقة الغرب، ولكن دون بصيرة، فيذهب ضحية الإعجاب الطفولي، ذلك الذي تنميه عقد النقص ومركبات الإحساس بالقصور والضعة. إن الإنسان العربي معقد، إنه يصرخ ويتألم، وهو يتأوه، وينقد، بل يبلغ به العبث الذي يحس به أن يغتال ويهدم دون تنظيم وانضباط، إنه يفكر في لقمته ويأخذ عليه الكفاف جل تفكيره فينسى واقعه، ويستصغر أخلاقيته ليمرغها في وحل الواقع المريض، فما هو الحل إذن لمشكلته؟ بل كيف نستطيع إيجاد الوصفة الطبية الناجعة لهذا العربي المتمزق؟
ليست مسألة الانقسام الوجودي إلا صدى لفترات الذل والعبودية اللذين غط فيهما العربي قرابة ستة قرون كانت كلها تتراقص أمام عينيه نجيعا وأشلاء، ويبرزها التاريخ نصب عينيه حروفا كتبت بماء الغدر والخيانة، وشتها أصابع العبث والتشويه، وحملتها حروف النعي المجنحة إلى مسمعيه، لتصمه عن نداء الوجود اليقظ المستتر.
إن واقعه المتخثر الذي يلفه في سراديبه، يحمل طابعين اثنين، وإن تمزقه هذا ذو وجهين مختلفين يتجليان كلاهما في الاحتلال بأوسع معانيه، فهو إذن مسلوب الحرية، لا يملك حق التنفس، فليس من حقه أن ينفرط من عقد الواقع المقيت، وليس في إمكانه أن يستقل، فيفكر كيفما شاء، ويناقش أني أراد، ويدرك على سليقته، ويوحي من ذاته، من هنا يبدو أن الاحتلال يتخذ شكلا معنويا روحيا، فإن جوانب العقلية العربية ما انفكت عرضة للتناتف والتنابز، وهي مجال لإخصاب الهراء وتكاثر الأساطير والأشباح، ومسرح تتراقص عليه المسوخ الميتافيزيقية، لتملأ عالم الفكر العربي حلكة، وتبعده عن الطريقة الموضوعية التجريدية، فإذا فكر فلأن العبث يدعوه إلى التصدي لسفاسف الأمور، والعناية بما هو خارج إطار كيانه، وإذا أدرك فإن إدراكه منخور مريض، تنقصه الدقة، ويعوزه الشمول، ويفتقر إلى النظرة التجريدية، في حين يغص بانعكاسات الرؤى العاطفية، والمعاناة الرومانسية ... من تأوه وتألم وتوجع، يؤدي به ذلك كنتيجة إلى التثاؤب الممل واللجوء إلى الزوايا التي طالما استمرأ في أجوائها المزكومة عيشه ورضع منها لبانات الذلة والمسكنة.
إنه فقد أول حق له في الوجود، بل انفلت عن عمود الوجود الفقري نفسه، وحين طفرت منه صرخة التشبث بحريته المسلوبة لم يكن ذلك إلا لأنه أدرك العلاقة التبادلية الحتمية بين الوجود والحرية، زاد ذلك معطيات الماضي النضر نفسه، إذ ما فتيء يمده بدفقات الاستقلالية، ويشيع في نفسه جوا بهيجا من الأمل والثقة سرعان ما تذهب خواء وتتبخر، ذلك أنها تأتيه وهو في حالة الانقسام الوجودي العميق، فهو لا يوجد لأنه لا يفكر، وهو لا يفكر لأنه سليب الحرية، ولم يكن هذا الاستعباد ليتناول الجانب الروحي، بل تعداه إلى النطاق الحي، فأصبح يمد أصابعه إلى وجوده المادي، إلى يومياته، فهو لا يملك حق التمتع في خيراته، وليس له في طيوب أرضه ومكتنزاتها غير ما يجود به السادة (السوبرمين)، ولأنه فقد الحرية فقد مات شعوره بوطأة الكابوس الذي يعيشه، ولم يستشعر ثقل الجاثوم البغيض الذي يثقل كاهله، فالعجز المادي يعوزه، لأنه يستغل ويستنزف، ولأن هذا الاستغلال والاستنزاف مدا جلابيبهما إلى أرجاء فكره، كالأخطبوط المخيف، فلم يجد ما يمكنه من استعادة توازنه، وضبط استقامة وجوده، بل لم