تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق س 3 ع9/يونيه 1960 .................. ص59

أزمة الوجود العربي

للأستاذ: عمر حسين البار

العربي الذي أفاق على النداء الرهيب منبعثا من صميمه، يهيب به ويستصرخه للذود عن كيانه الذي أشرف على الانهيار، ويدعوه إلى حماية واقعيته الأصيلة، المستكنة في أعماق نفسه والتي كانت هي الأخرى لقمة تتناتفها مناجل التمزق، ويرهقها سيل جارف من القلق اللانهائي، ويلفها ليل الأباطيل والأقاويل .. هذا العربي الذي شهد بأم عينيه وجوده ينسحق على رصيف الذل والمهانة .. وألفى كرامته تداس تحت أقدام الاستعمار الأنجلو-فرنسي والموجات البربرية الضارية، هذا الذي شهد أرضه تجود بأسخى ما تملك، وتفرس ساحات المعارك وميادين الوغى بأضاحي الحق المقدس، بفلذات أكبادها، والذي أحس عمق المأساة .. هذا العربي يكتنفه صراع رهيب مفزع، ويقض مضجعه سراب كابوسي غاشم، يجثم على صدره ويرعد فرائصه، وينوشه بأراجيفه، ويخنق جوه بنظراته النهمة، وتنبعث في أعماقه صرخة منطلقها أصالته الضاربة جذورها في أعماق التاريخ السحيقة، وسداها المستقبل اللامتناهي، ولحمتها معطيات الحاضر المتفتح المشرق، هذا النداء يوقظ في جوانحه أخيلة انتحار الحق المقدس، ويثحن في أحشائه جرح المأساة المندمل، ويثير في كوامن نفسه جذوات اللهب الثوري الفاعل، فتمتزج كل عناصر اليقظة وتختمر مقومات البقاء لديه من أصالة وإحساس وتوثب، فيأخذها جاهدا في إبراز استعداده لتأكيد نفسه، وتأهبه لاستعادة نضارته وإشراقه، ويقولبها في حقيقة وجودية ثورية متمردة على هذا الضيم الخانق الذي ظل فترة من الزمن يخنق أنفاسه ويختضر مطامحه ويثبط عزيمته: إنه يدرك كيف نسجت هذه المآسي، وكيف حيكت هذه المؤامرات على وطنه العربي، ويعرف كيف تمزق كيانه العربي من خلال الانتحار الفظيع الذي ذهبت ضحيته قطع عزيزة من وطنه العزيز.

وإذن فإن فترة الارتخاء والكسل لم تعد ذات ارتكاز، وعليه فإن مرحلته هذه تضع أمام عينيه مسؤولياته، تبعات استعادة التلاحم الوجودي لأمته، وتهبه انبثاقات واعية جديدة تشكل لديه الخطر الثوري الذي ينبغي له اتباعه والانضباط فيه، حتى يؤدي دوره في إثبات وجوده وتأكيد ذاته، وحتى يعمل على تعميق منطلقه وإرساء نزوعه إلى الانعتاق على نحو من الجدية والرصانة، وفي تربة خصبة تستطيع خلق البذور الانقلابية في أعماق نفسه.

لم يعد هذا العربي صدى لفكرة خارجية تمليها ظروف غربية عنه، ولم يعد انعكاسا لتجارب أمة أخرى لا ناقة له فيها ولا جمل، وليس في إمكانه ابتسار إيديولوجية لا تناغمه شكلا ولا مضمونا، ولا تواكب تطوره التاريخي، بل أصبح الآن ذا مضمون ثوري انقلابي جذري خاص، يخضع لإملاءات الشحنات الوجودية الأصيلة المستكنة في طوايا نفسه، ويستجيب للأخلاقية والقيمية والروحية حيث تمد جذورها إلى طفولته الوجودية التكوينية، وتنبثق من إدراك شمولي لمستنبطات المرحلة التاريخية المعاصرة، تلك التي تستدعي الإلمام الكامل بنفسية هذا العربي اللامطمئن، حيث يمكننا اتخاذها منطلق الثورة العربية التقدمية، ذلك أن أي تهمين حولها، وأي دوران حول محورها، لا يؤدي في النهاية إلا إلى الرجوع الانكماشي نحو نقطة البدء، ولا يقود إلى شيء سوى الانقسام

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٥١٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٥١٤