تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أما أدباؤنا العرب فقد عاشوا ظروفنا وامتزج دمهم بدمنا، إن هؤلاء قد يعطونا أفكارا ولكن لن يعطونا روحا تنبض بالحياة، قد يقدمون لنا بعض مواد البناء ولكن المقاول والمهندس منا من أدبائنا العرب في المشرق. نحن نستطيع أن نستجلب من الغرب السيارة المكيفة الهواء وشفرة الحلاقة وأحمر لشفاه، ولكن هيهات أن نجد عندهم أدبا عربيا فصيح الروح واللسان الأدب ليس سلعة تباع إنه ينبع من أبنائه ومن ترابهم وكفاحهم وماضيهم، قد كان الشرق العربي منارة للمغرب ولا عار علينا أن نحن تأثرنا بأدب شوقي وجبران والزهاوي وغنيم لأن هؤلاء سبقونا في الزمن وسمحت لهم ظروف حرمنا منها، وإذا أخذنا اليوم فسوف تعطيهم غدا، فنحن أخوة أشقاء من أسرة واحدة ولن تنجح وسائل الفرقة مهما كانت خفية أو مقنعة.

وختاما لهذا الاعتراض على مقال الأستاذ الحبابي أود أن يكون الأدباء عندنا والمفكرون في المغرب أكثر تحريا في إصدار الحكام وأن يزنوا الكلام وألا يستخفوا بعواطف الشعب وأن يكونوا بنائين عربا، والشعب العربي لن يقبل منهم سوى عروبتهم وإسلامهم ونضجهم الفكري العميق - ولا شك أن الأستاذ الحبابي له مكانته في عالم الفكر في المغرب فنرجو منه أن يكون أكثر جدية إذا ما تحدث عن الثقافة العربية وعن لغة الضاد، ونصيحتنا إليه هي أن ينكب على دراسة هذا التراث العربي الجليل وهو لا شك فاعل إن أراد أن تبقى له حرمته كأستاذ جامعي تجري في عروقه الدماء العربية الصافية.

عناية الملوك بإتقان العربية

قال أبو جعفر النحاس ويروى أن المأمون كان يتفقد ما يكتب به الكتاب فيسقط من لحن ويحط من أتى بما غيره أجود منه في العربية! فكان الكتاب يثابرون على النحو لما كان الرؤساء يتفقدون هذا منهم ويقربون العلماء، كما قال الفضل بن محمد جاءني رسول الرشيد فنهضت ودخلت فسلمت عليه، فأومأ بيده ومحمد عن يمينه والمأمون عن يساره والكسائي بين يديه يطارحهم معاني القرآن والشعر، فقال لي الرشيد كم اسم في «فسيكفيكم الله» فقلت ثلاثة أسماء يا أمير المؤمنين اسم الله عز وجل والكاف الثانية اسم النبي (ص) والهاء مع الميم اسم الكفار قال الرشيد كذا قال الرجل وأومأ بيده إلى الكسائي ثم التفت إلى محمد فقال أفهمت؟ قال نعم، قال فرده علي إن كنت صادقا، فرده علي ما لفظت به فقال: «أحسنت أمتع الله بك»

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٥١٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٥١٣