الكلاسيكيين أو المدرسين والأدباء الرومانتكيين في القرن التاسع عشر، تعصب الأولون إلى الأسلوب وأداء وكان الرومانتيكيون يرفعون من شأن المعاني, ثم أعادت المدرسة البارناسية حرمة وجلال اللفظ وهكذا دواليك حتى عصرنا حيث نجد الاتجاهين على قيد البقاء، ولذلك يستحيل القضاء تماما على اللفظ وعلى البلاغة، وربما ينتقد الأستاذ تطرق أنصار البلاغة ولكن هذا النقد يوجه كذلك إلى المبالغين في أهمية المعاني دون اللفظ، وإلا كيف نستيغ معنى جميلا في ثوب مهلهل ركيك أو أسلوبا رصينا لمعنى سخيف؟
ولا داعي للإشارة إلى استدلال الأستاذ على ضعف اللغة العربية برسالة ذلك المعجب بالدكتور الفاضل لأنه استدلال فاسد لا يأتي به عاقل، وأكتفي بأن أطلب من الأستاذ الحبابي أن يقرأ قليلا كتب الحكيم والزيات والعقاد مثلا ليحكم على اللغة العربية، وإني آسف جدا أن تكون هذه الأسماء قد غابت عنه فاحتج بمن يأخذ صفرا لو تقدم إلى مادة الإنشاء في الشهادة الابتدائية.
ذكر الدكتور الفاضل أن اللغة العربية في عهد الحريري كانت منحطة وأن هذا التأخر اللغوي صادف تقهقر الثقافة الإسلامية، وهذا رأي خاطئ تاريخيا على الأقل لأن زمن الحريري هو القرن الرابع الهجري والقرن الرابع هو عصر أكبر فلاسفة العرب (ابن سينا، الفارابي، الغزالي) وأشهر الرحالة والمؤرخين: (اليعقوبي، الطبري، المسعودي، ابن الجوزي) وأعظم علماء الرياضة والفلك (الخوارزمي، الكندي، ابن الهيثم، الخيام، الطوسي) وفي هذه الفترة وصل علم الكلام إلى أوجه وكذلك الفقه والتصوف، وقد كتبت في عصر الحريري أضخم الموسوعات الأدبية: الأغاني للأصبهاني والكامل للمبرد وعيون الأخبار لأبن قتيبة, هؤلاء جميعا عاشوا في القرن الرابع وعاصروا لحريري وإذا كان الأدب في فترة الجمود فقد كان الثقافة الإسلامية في عصرها الذهبي الذي أشرقت فيه شمس الحضارة ونضجت ثمار الثقافة.
وبعد هذه الملاحظات يأتي الأستاذ باقتراحاته الخاصة لإصلاح اللغة لعربية، أولا بإبعاد اللغة عن «المفهوم الديني التقديسي» وإني لأود أن أقف طويلا عند هذه الفكرة لخطورتها ولكني سأخصص مقالا كاملا حول علاقة الأدب بالدين في الغرب وفي الشرق المسلم ذلك في عدد قريب من «دعوة الحق» وسأكتفي الآن بأن أقول للأستاذ أنه يجب ألا يردد كل ما يقوله الناس بدون فهم وروية على الأقل لأن فكرة فصل الأدب عن الدين فكرة غربية لا أظنها صالحة بالنسبة إلى عالمنا العربي ذي الطابع والتكوين الخاص والمعتز بدينه الإنساني الخالد، ولا أظن أحدا قال بأنه يجب أن نفصل اللغة عن المعاني الدينية لأن اللغة أداة يمكن استعمالها في الخير والشر في التصوف واللاهوت أو التنجيم والشعوذة، إن اللغة تماما كالعلم الذي أعطانا الطاقة الذرية لنحرك بها المصانع في خدمة الإنسان والقنبلة الذرية لتدمير حضارة الإنسان، ولا أدري معنى لفصل اللغة عن الدين ما دامت اللغة حيادية بطبيعتها, أو لعل الأستاذ يريد منا ألا نعتقد بقدسية نشأة اللغة أي أن اللغة كانت تخدم الدين الذي رفعها إلى مستوى جليل، وهذا الرأي لا يقوله الباحثون إلا بتحفظ إذ أن العربية وجدت قبل القرآن ونزول الإسلام وأن العربية لها قوة ذاتية وأنها ظاهرة اجتماعية والدين ليس إلا إحدى العوامل التي جعلتها تبرز وتنتصر على باقي اللغات السامية الأخرى.
يقترح الأستاذ الكريم أن نتوجه إلى الغرب بحثا عن المضمون الرفيع لأن الشرق العربي أخفق في هذا المجال ولم يعد صالحا ليكون محتذى وقائد المغرب المتحرر. فياله من رأي خطير يا حضرة الأستاذ الفاضل، أنه لصوت نشاز ينطلق في لحن شجي، نحن اليوم نسعى لتكوين عقل واحد من المشرق إلى المغرب والمجهودات ناجحة تبشر بقرب المنشود. فإذا بالأستاذ يطلقها زعقة مدوية مجلجلة بأن أفصلوا بين الشرق والغرب، ومتى انفصل هذا الجسم الحي جسم العالم العربي عن بعضه بعضا حتى تريدوا له هذا المصير؟ ومتى كان الغرب قائدنا في دنيا الأدب وصوت الشرق في أعماق نفوسنا بأسمائه اللامعة وكفاحه الجبار؟ كيف نبحث عن مضمون أدبنا في الغرب ونحن نعيشه هنا في العالم العربي في دنيا البناء والكفاح والتحرر؟ هلا تريد أن نتتلمذ في الأدب على «جيد» ذلك الشاذ جنسيا أو على «سارتر» الهدام للقيم الروحية أو على «سيمون دي بوقوار» التي لا تؤمن بالمرأة كأم وإنما كجسم للذة وكفى؟ نحن يا أستاذ نقرأ لهؤلاء جميعا لنطلع على أجواء جديدة ولكن لا نستطيع أن نتتلمذ عليهم لأن هؤلاء لا يعتبرون عن واقعنا الشرقي العربي المحافظ.