تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فبالرغم من أن آدابها القديمة خالدة (الإلياذة و الاوديسا) فلم تستطع أن تقاوم الزمن وأصبحت اللغة اليونانية اليوم غير اليونانية في عهد أرسطو وزينون، فالقرآن الكريم هو السر في بقاء العربية صافية الأديم محافظة على بنيانها القديم، ولهذا فلم تشخ العربية ومن الخطأ الفادح اعتقاد هذا الرأي المرتجل بل أن آخر المطلعين على العربية يقول بأنها اليوم في انتعاش جديد وفي إحياء حقيقي وليس بعيدا أن نرى العربية لغة دولية عالمية، وأتأسف لكون الأستاذ الحبابي لا يقرأ ما ينتجه الشرق وما يكتبه الأدباء والعلماء هنالك، ولو هو فعل ذلك لوجد العربية في حال غير الحال التي هي عليه هنا في المغرب لحداثة عهد النهضة هنا ولقلة الكتاب. أما في الشرق فقد قطعوا شوطا بعيدا في ميدان الترجمة والتأليف، في لبنان مثلا نجد أن آخر ما يكتب في الغرب يترجم حالا إلى العربية بالنص الكامل وبأسلوب واضح بليغ لا التباس فيه. إن اللغة العربية لغة حية، بشرط أن يكون صاحبها على علم بتكوينها تماما كجهاز الكتروني معقد يستحيل على من يجهله أن يستعمله استعمالا جيدا.

وبعد ذلك يأتي الأستاذ الحبابي ويلاحظ على العربية ملاحظات أقل ما يعقل عليها به هو: أن الذين قالوها فيما مضى قوم يجهلون العربية أو دخلاء عليها، وإلا كيف يعقل من دكتور في الفلسفة إن ينتقد العربية بكثرة المترادفات وكل اللغات تحتوي على هذه الظاهرة (لينظر الأستاذ في قاموس المترادفات الفرنسية) ثم إن المترادفات لا تدل دوما على معنى واحد بل هناك بين المترادفات فروق دقيقة، أطلق العرب - مثلا- على شعر الرأس أسماء عديدة منها: الذؤابة، العميقة، الفروة، الناصبة، الفرع، الغفر, وسيظن الغير المتعمق في اللغة العربية أن هذه المترادفات لا فرق بينهما وأنها أسماء لمسمى واحد، لنفتح كتاب فقه اللغة للثعالبي فسنجد فيه فصلا خاصا من أسماء شعر الرأس العميقة الشعر الذي يولد به الإنسان، الفروة شعر معظم الرأس، الذؤابة شعر مؤخر الرأس، الفرع شعر رأس المرآة، الغديرة شعر ذؤابتها الخ .. إن هذا التمييز الدقيق للمسمى الواحد يدل على ذكاء العرب، وطلاب علم النفس يعرفون هذه الحقيقة فالطفل الذي يميز في كتابه عدة صفات هو طفل ذكي فوق الوسط والذي لا يطلق إلا وصفا واحدا هو طفل محدود الأفق، وإذا كان العرب أكثروا بعض هذه المترادفات على مسميات معدودة كالناقة والسيف والأسد فلأن بيئتهم ضيقة المجال فقيرة المناظر، والعربي متجاوب مع هذه الطبيعة الجرداء الشحيحة، ومع ذلك فإن إثارة مثل هذه الانتقادات اليوم هو نقد لا معنى له لأن اللغة العربية المعاصرة لا تحتوي على تلك الكثرة من المترادفات القديمة، والحديث يدور اليوم واقع العربية الآن والتي أصبحت مصفاة بعوامل الانتخاب الطبيعي وقانون التطور الذي يماشي العصر والزمن.

ينتقد الأستاذ صعوبات الإعراب والنحو في اللغة العربية وأنا لا أدري ماذا أقول لأن الأستاذ يريد أن يجعل اللغة العربية تماما كاللغة الفرنسية أو الإنجليزية ولعله تناسى أن اللغة الألمانية مثلا أصعب بكثير من العربية ونحوها معقد إلى حد بعيد وهذه الصعوبة لم تمنع الألمانية أن تكون لغة الفلسفة والآداب والعلم ولغة الشاعر (جوقه) والفلاسفة «كانت وشوبنهاور ونيتشه». اللغة العربية هكذا خلقت ولن تبقى لغة عربية إذا أبعدنا عنها النحو، على أن الاتجاه الحديث في النحو وتيسيره قد نجح ولم يعد الطالب في المدرسة الثانوية مكلفا بالإحاطة بكل تلك المشاكل والنظريات الفلسفية في النحو وتركت هذه الدراسة في التعمق لطلاب الجامعة في صف الاختصاص، إن النحو المدرسي اليوم سهل للغاية بل أجزم أنه أبسط بكثير من الصعوبات التصريف في اللغة الفرنسية وتعقيد إعراب الجمل فيها، والمهم في الموضوع أن لكل لغة شخصيتها ومميزاتها الخاصة بها إن سهلا أو صعبا.

وبعد ذلك يقترح الأستاذ القضاء على شكلية اللغة والأدب والاهتمام فقط بالمعاني دون اللفظ وشقشقة البلاغة الجوفاء، إني لأعجب كيف يقترح الأستاذ هذا الرأي وهذا المشكل قديم جدا ولم يبت فيه حتى اليوم ولا أظن أنه ينتهي منه فهنالك أنصار المعاني وهنالك أنصار اللفظ، أثير هذا السؤال حول سر إعجاز القرآن، هل هو في لفظه أو في معناه؟ وأعتقد أن الرأي يتجه إلى اعتبار أعجاز القرآن في لفظه لأن المعاني موجودة في كل عصر ولكن تأديتها هو الذي يختلف من شخص إلى آخر، ويستحيل أن نقضي على شكلية اللغة والأدب لان الشكل أو الأسلوب أو الأداء شرط لازم للكلام البليغ والكاتب العبقري هو من يوفق بين متطلبات المعنى واللفظ على حد سواء، ففي اللغة الفرنسية مثلا أثير هذا الموضوع بين الكتاب.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٥١١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٥١١