الصراع وقد خرجت ظافرة من معارك شتى منذ أربعة عشر قرنا احتكت فيها بأكثر من حضارة ولغة واحدة وكانت تؤثر أكثر مما تتأثر وكانت تعطي بسخاء أكثر مما تأخذ، ونراها اليوم كما كانت في الجاهلية بنفس الصفاء ونفس الرنين والبلاغة، فما رأيك يا أستاذ في هذه الأبيات من الشعر الجاهلي:
ولقد ذكرتك والرماح نواهل *** مني وبيض الهند تقطر من دمي
فوددت تقبيل السيوف لأنها *** لمعت كبارق ثغرك المبتسم
أو هتذه الأبيتات:
لا أحتد الأم من حطية
هجا بنيه وهجا المرية
من لتؤمه مات على قرية
أو هذه:
لا يحمل الحقد من تعلو بته الرتب *** ولا ينال العلى من طبعته الغضب
ألا تشعر يا أستاذ أن أصحاب هذه الأبيات كأنهم يعيشون معنا اليوم والواقع أن تاريخهم يعود اليوم إلى أكثر من خمسة عشر قرنا - ولكن حاول أو نقرأ لشاعر فرنسي في القرن الرابع عشر ميلادي فسوف تركض باحثا عن المعاجم اللاتينية والفرنسية القديمة لتسعفك بالمعنى المقصود.
لقد وصف الأستاذ الندوة التي كان يحاضر فيها بندوة تحكيم لاختيار ملكة الجمال من بين مرشحتين هما الفرنسية والعربية، وقد أطلق لخياله العنان حينما تحدث عن اللغة الفرنسية الحسناء فرآها ساحرة القوام فاتنة القد، رائعة الحسن وحينما تكلم عن العربية تحدث بتقزز واشمئزاز فأضفى عليها الثياب البدوية، كنت أحسب الدكتور فيلسوفا حقا ينظر إلى جمال الروح وسحر الابتسامة المشرفة وإلا يوقف النظر على السيقان والأرداف، بل كيف نجري المقارنة بين الفتاة الأوربية الشقراء مع الفتاة العربية السمراء الكاحلة العينين وكل منهما يمثل ضربا من الجمال ولكل منهما عشاقها ومريدوها، إن من السخف إجزاء مقارنة بين لغتين مختلفتي الأصل والملامح، قد تكون المقارنة في المعاني والأدب دون اللغة والأسلوب لأن اللغة تسمو أو تسف حسب عبقرية القلم الذي يضفي عليها الروح والمعنى العبقري، إن اللغة كالعجينة تأخذ الشكل الذي يصورها عليه الفنان وكم يختلف الفنانون فيما بينهم من حيث المقدرة والتذوق والتعمق والإدراك - ثم إني لا أرضى من مغربي عربي مسلم أن يعطي هذه الصورة البشعة للعربية أمام جمهور من الجانب، وقد اعترف المستشرقون أنفسهم بدقة العربية ومرونتها وقدرتها على أجلاء أعماق النفس والتحليق في أجواء الروح (بروكلمن في كتابه: تاريخ الأدب العربي) - أن الشرط الأساسي الذي يجب أن يتوفر فيمن يتصدى للكتابة بالعربية أن يكون من أهلها وأن يمارسها طويلا حتى تلين له، لقد قيل قديما: أن العربية مطية لا تلين إلا لأصحابها، فهل الأستاذ الحبابي من أبناء العربية الذين يعرفون أسرارها ومداخلها حتى ينطق بالحكم الفصل، أن على الأستاذ أن يراجع ضميره وعمله قبل أن يلحق بالعربية أقبح الصفات.
ويقول الأستاذ بعد ذلك أن اللغة العربية شاخت وكانت تموت، ومرة أخرى من أين لك بهذا الرأي؟
إن نظرية شبيه اللغة والمظاهر الاجتماعية الأخرى بالكائنات الحية هي نظرية الفيلسوف الإنجليزي «سبنسر» صاحب المذهب العضوي والشبه حاصل من حيث الطور والمرور على مراحل الأعمار من الولادة إلى الموت، غير أن هذه النظرية لم تعد مقبولة وأصبحت تاريخية فقط لأن الحادث الاجتماعي حادث معقد متداخل وهو لا يتبع سيرا منتظما متناسقا حتى نحكم على مصيره، وإذا اتفقنا جدلا على أن اللغات تولد وتشيخ ثم تموت فإن اللغة العربية خاصة لا يجري عليها هذا المفهوم إطلاقا خلافا للغات الأخرى، لو قمنا بإجراء دراسة مقارنة بين اللغة العربية في عصر الجاهلي واللغة العربية في القرن العشرين لما رأينا خلافا جوهريا، أن طلابنا في المدارس الثانوية يقراون بسهولة الشعر الجاهلي ويتذوقونه وإذا كان هناك فارق بين اللغتين ففي التبسيط واختيار كلمات دون أخرى، وأظن أن السبب الرئيسي في كون العربية لم تتغير بعد تغيير اللغات الحية الأخرى هو القرآن فلولاه لأصبح الأدب العباسي مثلا أدبا أعجمي اللسان لا يفهمه إلا المختصون في الآداب القديمة - ومثال ذلك في اللغة اليونانية