تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولا ريب أن الأخلاق على عدد الأميال البحرية لم يكن إلا مظهرا لبواعث الصراع الكبير الذي يستحر بين الدول الصغيرة والكبيرة حول حدود المياه الإقليمية، إن وراء هذا الصراع تكمن بالفعل كثير من الحقائق الضخمة التي لها دلالها، ومن بينها: التحدي الكبير الذي تواجه به الدول الكبيرة عالم الشعوب المختلفة اقتصاديا ولا يكتسي هذا التحدي - في الواقع - صبغة مباشرة وسافرة وإنما يتبدى في أشكال أكثر دقة وعمقا ويرتكز أغلبها في نسق معنويات الشعوب الصغيرة والتشكيك في كفاءتها وقدرتها على ممارسة شؤون الحياة العامة في نطاقها الواسع الكبير، ومن هنا كان منشأ المدعيات الغربية التي ما فتئ الغربيون يرددونها للتدليل على عجز الشعوب الإفريقية الآسيوية وقصورها عن إدارة بحار إقليمية موسعة، وإذا كان لهذه المدعيات فعلا بعض المظاهر الواقعية فإنها لا يصح أن تتخذ أساسا معقولا لاستمرار أوضاع بحرية دولية لا تتفق اقتصاديا وعسكريا مع حقائق العالم الحديث وضرورات الحياة المعاصرة بكل ما يستوجبه تأمينا من وسائل ضخمة وإمكانيات واسعة.

إن المسافات الضيقة التي يجتهد الغرب في إقرارها كحدود نهائية للبحار الإقليمية لا يمكن أن تنسجم معطيات السلامة القومية كما نعرفها اليوم، وإذا كانت الدول البحرية في الغرب تناصر الأخذ بنظرية هذا التحديد الضيق فلان ذلك لا يساهم فعلا في المس بمصالحها ما دام أنها تتوفر على وسائل جبارة قاهرة من فرض العمل المباشر بالقرب من حدود الدول الأخرى التي لا تقوى ماديا على مقاومتها مقاومة فعالة ولعله من المفيد لنا أن نتذكر أن الدول البحرية الكبرى في الغرب لم تنجح في بناء كياناتها الإمبراطورية إلا عن طريق الوسع البحري المتواصل الذي كانت تمارسه بأشكال عدة على حساب الأقاليم المتخلفة في إفريقيا وآسيا، ولهذا كان جديرا بشعوب هذه الأقاليم - وقد استردت حريتها - إن تولى قدرا غير يسير من العناية والاهتمام بمستقبل شواطئنا وتأمين هذا المستقبل تأمينا كاملا وفعالا، وهذا هو محور النزاع الدولي الراهن حول موضوع البحار الإقليمية، وليس أمام المغرب - في الواقع - إلا أن يكون طرفا في هذا النزاع، ولكن أساس الانسجام مع مصالح الشعوب الصغيرة التي ينتسب إليها ويندمج حاضره بمستقبلها. وبعد فقد انتهى - في أواخر أبريل الماضي مؤتمر جنيف لقوانين البحار دون أن يقضي إلى أية نتيجة إيجابية كما كان الشأن بالنسبة لمؤتمر لاهاي (1930 ومؤتمر جنيف الأول 1958) وإذا كان لهذا المؤتمر من نتائج فهي مساهمته في التدليل على أن الخلاف الدولي حول موضوع المياه الإقليمية ليس - في جوهره - مجرد خلاف عابر ومحدود المدى، بل إنه ينطوي - كما يبدو- على كثير من الاعتبارات التي تستعصي تصنيفها - في الوقت الحاضر- على وسائل التوفيق الدولية العادية وعلى هذا فإن الأساس الذي تنطلق عنه عوامل التصادم حول هذا المشكل سيبقى قائما فعالا قوي التأثير بعيد المدى وسوف لا يكون لذلك من نتائج بالطبع إلا استمرار الجو الفوضوي الذي يسود الاتجاهات القانونية الدولية في موضوع حيوي كهذا، ومن شأن ذلك كله أن يؤدي في المستقبل إلى المزيد من مظاهر اللجوء إلى طريقة القرارات الانفرادية في توسيع مجالات البحار الإقليمية هذه الطريقة التي بدأت بعض الدول تلجأ إليها كالصين الشعبية ويخشى أن تصبح قاعدة متعبة مع كل ما تحمله من عناصر التوتر والحدة في الجو الدولي.

وإذا كان لنا نحن في المغرب أن نعبر عن حرصنا على احترام المشروعية الدولية فإن ذلك لا يجوز أن يكون على حساب مصالحنا الحيوية التي ترتبط بحاضرنا ومستقبلنا أوثق الارتباط.

إن هناك من الإرهاصات ما يوجد بأن الدول البحرية الكبرى في الغرب ومن يوجد متأثرا بها قد تلجأ إلى إقرار اتفاق فيما بينها حول موضوع البحار الإقليمية، وذلك - حسبما يلوح - على أساس اعتبار مبدأ الستة أميال كحد أقصى ويبدو أن الهدف الأساسي من اتخاذ هذه الخطوة هو العمل على اصطناع سوابق مبدئية معينة يمكن أن تصبح بالتدريج أعرافا دولية قارة، وهذه الأعراف هي التي يجوز أن تتخذ في المستقبل أساسا لاستدراج الرأي العام العالمي إلى اعتناق وجهة النظر الغربية في تحديد المياه الإقليمية، ولهذا فإنه سيكون في إمكانات - استنادا إلى كل ما تقدم - أن نتخذ خطوة مماثلة فنعمد - بالتعاون مع

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٥٠٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٥٠٦