وبديهي أن مطالبة المغرب بتمديد الحدود البحرية على هذا الأساس لا تعود فقط إلى شعوره بالتضامن الإفريقي الأسيوي، بل إنها ناشئة كذلك عن انسجامها مع مصالحها الخاصة بالإضافة إلى ما لها من ارتباط بالمصلحة العربية التي هي بالطبع جزء من مصلحتنا القومية العليا، فحدود المغرب الشمالية والغربية هي بالفعل حدود بحرية هامة والشاطئ المغربي يمتد على مجالين مائيين عالميين: المتوسط والأطلسي وهذا مما من شأنه أن يجعل قضية المياه الإقليمية بالنسبة إلينا قضية حيوية وجوهرية لارتباطها المتين بما ننشده من انتعاش اقتصادي (مقاومة التهريب التجاري) وما نصبو إليه من تضخم في الطاقة الاستهلاكية (الصيد مثلا) ولاتصاله الوثيق كذلك بمقتضيات الحفاظ على أمننا القومي (مقاومة التسلل السياسي والعسكري) وحماية تطورنا الاجتماعي الإنساني (مراقبة الهجرة غير المشروعة) ومما يزيد في قيمة هذه الاعتبارات ويضاعف من أهميتها: الخصائص الفريدة التي يتميز بها وضع بلادنا من الناحية الجغرافية فمقدراتنا الاقتصادية البحرية قد لا تتوفر لها - إذا لم بقع توسيع مياهنا الإقليمية - أسباب التامين ضد النشاط الصيد الأجنبي (البرتغال مثلا) كما أن وقوعنا على ممر عالمي كمضيق جبل طارق يلقي علينا أعباء باهضة في تامين حيادنا الدولي وخاصة في حالة نشوب حرب عالمية محتملة هذا بالإضافة إلى ما يجوز أن ينشأ عن وضعنا الجغرافي أمام أوروبا وإفريقيا وأمريكا من اتساع نطاق الحركات التسلسلية إلى بلدنا من سياسية واقتصادية واجتماعية «النشاط التجسسي العالمي» (التهريب التجاري الإقليمي والدولي) (حركات الهجرة الدولية غير المراقبة).
وكما أن هذه الاعتبارات الإقليمية لها وزنها في حمل المغرب على المطالبة بتمديد مسافة المياه الإقليمية فإن هناك من الاعتبارات القومية الأخرى ما من شانه أن يحدو ببلادنا على التشديد على هذه المطالبة ويقودها إلى مضايقة مظاهر الحرص عليها، ومن أبرز هذه الاعتبارات: ما يتصل بعموم المصلحة العربية الكبرى التي ترتبط قليلا أو كثيرا بموضوع الصراع الدولي حول المياه الإقليمية. ومن نافلة القول الإشارة إلى أن أغلبية الدول العربية لم تتردد غداة انعقاد مؤتمر جنيف الأخير في تنسيق مواقفها على أساس تبني نظرية الاثني عشر ميلا كحد أقصى للمياه الإقليمية، وواضح أن اتخاذ هذا الموقف كان ناشئا عن الرغبة في حماية الشواطئ العربية من أخطار التدخل الأجنبي، هذا التدخل الذي يوجد في طليعته بالطبع إمكانيات التسلل الصهيوني بمختلف أشكاله وألوانه (قضية الملاحة عبر خليج العقبة مثلا) وإلى ذلك فإن إقرار مبدأ الإثني عشر ميلا ينسجم تماما مع صالح الوضع الجغرافي الممتاز الذي تنعم بها أغلبية أجزاء الوطن العربي. ذلك أن البلاد العربية تكون في مجموعها امتدادا فريدا يسيطر فعلا على الضفتين الجنوبية والشرقية للبحر الأبيض المتوسط هذا بالإضافة إلى امتدادها على ضفتي البحر الأحمر والخليج العربي وبعض الأجزاء الشمالية الشرقية من المحيط الهادي مع إشرافها على الممرات العالمية الهامة كمضيق طارق وقناة السويس ومضيق باب المندب.
ووضع جغرافي من هذا الطراز يتيح بالفعل كثيرا من الميزات الأساسية لساكني الوطن العربي، إلا أن تمديد مسافة المياه الإقليمية ليس من شأنه بالطبع إلا أن يعزز عناصر الاستفادة من هذه الميزات ويوسع من نطاقها، وذلك بما يوفره للبلاد العربية من فرصة الحصول على نطاق ضخم من البحر المتوسط يمتد على طول ضفته الجنوبية هذا بالإضافة إلى البحر الأحمر الذي تعتبر ضفتاه عربيتين خالصتين، وهكذا الشأن بالنسبة إلى الشواطئ العربية الأخرى. كان مؤتمر قوانين البحار الأخير أساسا لاستخلاص كثير من الحقائق الدولية المثيرة وكان من أبرز هذه الحقائق وأهمها: تطابق وجهات النظر المغربية والعربية تطابقا تلقائيا مع اتجاهات دول باندونغ والشعوب الصغيرة الأخرى التي تواضع الناس على تسميتها بالشعوب المتخلفة، ومن هنا كان على المغرب أن يلتقي في صعيد واحد مع العديد من الأقطار الآسيوية (برمانيا الهند واندونيسيا) والإفريقية (غينيا) واللاتينية (الشيلي الإيكواتور المكسيك وبيرو) والاشتراكية (يوغوسلافيا) وغيرها ومن هنا أيضا كان مصدر التباين الواسع في وجهات النظر بين هذه التكثلات الدولية الفتية وبين التوسعين البحريين في الغرب وفي طليعتهم: بريطانيا والولايات المتحدة.
لقد كان الخلاف بين الجانبين خلافا عميق بين الجانبين خلافا عميق الجذور، بعيد الأغوار لأنه لم يكن ناشئا عن أسباب سطحية عابرة وإنما كان تجسيما للصراع الكبير الذي يحتد كل يوم في كثير من جوانب الحياة العالمية بين القوة البحرية التقليدية في الغرب ومن يسبح في فلكها وبين القوى الجديدة الناشئة في البلاد المدعوة بالمتخلفة اقتصاديا.