وكان إخفاق مؤتمر 1930 في تحديد مسافات البحار الإقليمية إيذانا باستمرار الجو الفوضوي الذي يسود الحياة الدولية في هذا الموضوع وقد تضاعفت عناصر هذه الفوضوية بالفعل وازدادت عوامل تعقدها الأمر الذي حدا بالأوساط الدولية مرة أخرى إلى التفكير في تناول المشكل بالعلاج على ضوء الحقائق العالمية التي تكشف عنها عالم ما بعد الحرب وانبثق التفكير بالفعل عن بادرة دولية جديدة كانت هي مؤتمر 1958 الذي تم انعقاده بجنيف.
وقد كان المفروض أن يقضي المؤتمر الجديد إلى نوع من الاتفاق العالمي حول الموضوع وذلك بالنظر لما سجلته تطورات ما بعد الحرب من تقدم وسائل التفاهم الدولي (الأمم المتحدة) إلا أن تناقض المصالح المختلفة لم يكن من شانه أن يساعد على تحقيق خطوة من هذا النوع ولهذا فقد كان على الجو الدولي أن يعاني - بعد ارفضاض المؤتمر- المزيد من المشاكل والمعضلات الناتجة عن استمرار مشكلة تحديد المياه الإقليمية وذلك لما سجلته الأعضاء المعنوية سنة 1958 من عجز وقصور في طريقة حلها على أساس مقبول.
وبالفعل فلم يكن هناك بد من ازدياد تشابك المصالح الدولية في الموضوع وبالتالي تضاعف مظاهر الاصطدام بين هذه المصالح وتناقض صورها بشكل عنيف وحاد، وقد بدأ ذلك واضحا في محاولات التوسيع التلقائية من جانب بعض الدول لحدودها المالية وما أثاره ذلك من ردود فعل سريعة من جانب الدول الأخرى التي تناوئ مبدأ التوسيع.
وعلى هذا فقد كان ضروريا - أمام هذه الحالة - أن يتجدد التفكير مرة أخرى في اللجوء إلى محاولة توفيقية جديدة أوسع نطاقا وأكثر إحكاما من سابقاتها سنة 1930 و1958 وعلى هذا الأساس تم انعقاد مؤتمر قوانين البحار بجنيف أيضا (أواسط مارس 1960) ذلك المؤتمر الذي لم تنقض جلساته إلا منذ أسابيع معدودة وقد كان الذي لم تنقض جلساته إلا منذ أسابيع معدودة وقد كان ذلك الجمع الدولي جديرا حقا بالتقدير والاهتمام لات بالنسبة لخطورة المشكل الذي لم تنقض جلساته إلا منذ أسابيع معدودة وقد كان ذلك الجمع الدولي جديرا حقا بالتقدير والاهتمام لا بالنسبة لخطورة المشكل الذي كان ينفيا معالجته فحسب بل أيضا بالنسبة لعلاقاته بمصالحنا القومية كأمة ذات كيان دولي هام وكجزء أصيل من الجسم العربي الكبير وارتباطه بموقفنا العام من المجموعة الإفريقية ومن عالم باندونغ.
وقد كانت لنا من قبل مصالح دائمة تحدونا إلى الاهتمام منذ قديم بموضوع المياه الإقليمية وتطوراتها على الصعيد الدولي وذلك بالنظر لما تنعم له من وضع بحري ممتاز، ولكن نظام الحجر الذي كان يلف هذه البلاد في طياته لم يكن بالطبع من العوامل التي تساعدها على البت في هذا الموضوع أو غيره.
إلا أنه أصبح لنا الآن أن نولي قسطا من الاهتمام بالأمر نتيجة لوضعنا الجديد في العالم الدولي ولمشاركتنا العلمية في مؤتمر قوانين البحار، تلك المشاركة التي تتيح لنا فرصة هامة للإسهام في تقرير الاتجاه الدولي في هذا الموضوع الهام، هذا بالإضافة إلى اعتبارات أخرى تستوجب منا المزيد من الاهتمام بالأمر لأنها تتصل باتجاهاتنا ومصالحنا وأهدافنا اتصالا دوليا ثانيا ومن بين هذه الاعتبارات:
1) بروز القوى الإفريقية الجديدة كعامل فعال في تقرير الحدود الدولية على النقيض مما كان عليه الأمر قديما.
2) تأكد إرادة الشعوب الصغيرة في مناهضة القوات البحرية الكبرى وتبلور هذه الإرادة في شكل منظم وصارم.
3) تراجع الدول الكبرى عن غلوائها وقبولها بمبدأ مد حدود المياه الإقليمية ستة أميال عوض ثلاثة بالإضافة إلى ستة أميال أخرى للصيد البحري.
لقد كان مؤتمر قوانين البحار الأخير أساسا قويا لتأكيد هذه الحقائق الدولية البارزة وكان إلى ذلك مجالا فسيحا للتدليل على ما يوجد بين الشعوب الصغيرة على اختلاف هواياتها من تناسق وانسجام في المصالح والأهداف وقد بدا ذلك واضحا في قضية تحديد مسافة المياه الإقليمية ففي نفس الوقت الذي كانت فيه القوات البحرية التقليدية - وفي طليعتها المملكة المتحدة - تجتهد في إقناع الملأ بوجوب الحفاظ على مبدأ الستة أميال كحد نهائي لامتداد الحدود المائية كانت الشعوب الصغيرة من إفريقية وآسيوية وأمريكية لاتينية تعبر عن إرادتها الحازمة في المطالبة بضرورة تمديد هذه الحدود إلى مدى اثني عشر ميلا، ولعله كان من اليسير جدا استجلاء موقف المغرب في خضم هذا الصراع ولم يكن هذا الموقف بالطبع إلا موقف المناصرة المطلقة بمبدأ اثني عشر ميلا.