وهكذا يتعقد هذا الجانب الهام من جوانب الحياة الدولية وتتضاعف موجبات تعقده كلما ازداد ارتباطه بالمصالح القومية المتضاربة واشتد تأثيره على هذه المصالح في أشكالها المختلفة.
والواقع أن القضية خلال هذه السنوات الأخيرة قد تأزمت إلى حد بعيد وزادها تأزما اصطدام المصالح الدولية في ميدان الصيد البحري وخاصة بالنسبة لبعض الدول التي تعتمد في بناء اقتصادها كليا أو جزئيا على هذا القطاع الهام من الحياة الاقتصادية العامة، ومن أمثلة ذلك: النزاع الحاد الذي نشب أواره بين بريطانيا العظمى وايسلاندا حول استغلال مناطق الصيد بالقرب من المياه الإقليمية الايسلاندية فقد أعلنت حكومة ريكفا جيك (ايسلاندة) في أواخر غشت 1958 عن قرارها القاضي بتوسيع حدود بحرها الإقليمي إلى مسافة اثني عشر ميلا، ولم يكن القرار صادرا عن رغبة تحكمية بل إنه كان ناشئا عن رغبة ملحة اقتضتها رغبة سكان تلك الجزيرة النائية في حماية اسماك بحرهم الإقليمية من خطر البواخر الصيدية البريطانية!! إلا أن المملكة المتحدة لم تتردد في معارضة القرار الايسلاندي فكان ذلك سببا لمناوشات عنيفة بين الصيادين البريطانيين والإيسلانديين كادت تؤدي إلى المس باستقرار الحلف الأطلسي، كما نشب الخلاف بين بريطانيا وايسلاندة سنة 1958 على مشكلة الصيد وما لها من ارتباط بموضوع المياه الإقليمية فقد قامت أيضا من قبل كثير من حالات الخلاف الدولي حول جوانب قريبة من هذا الموضوع كانت تتفاوت في نسبة الأهمية والخطورة ومن أمثلة ذلك: الخلاف الفرنسي الانجليزي حول موضوع الصيد في الأرض الجديدة والخلاف الانجليزي الأمريكي المتعلق بمشاكل الصيد في البحر " بهرين " (1893) ولكن مثل هذه الخلافات كانت تفض في الغالب بواسطة التحكيم أو بالتوصل إلى اتفاقات ثنائية خاصة بيد أن أساليب التحكيم والتفاوض من هذا النوع لم يعد لها - في العقود الأخيرة - ما كان لها من فعالية سابقة في فض النزاعات حول هذا الموضوع وذلك بالنظر للتطورات العميقة التي تجد في عصرنا الحاضر والتي تتميز خاصة بما إذا للدول الصغيرة المستقلة من تأثير على مستوى التوازن الدولي.
ولذا كان عاديا أن تبدو المشكلة وهي تكاد تستعصي على الحل الحاسم بالرغم عن وجود محكمة دائمة للتحكيم وبالرغم من تطورات أساليب التفاوض الدولي، ومن البديهي أن هذه الظاهرة ستستمد فترات أخرى ما دام أن العامل الأساسي في وجودها لا يزال قائما موجودا, فمن الجائز جدا أن تنجح مبادرات التحكيم الدولي في تحديد نطاق كثير من مظاهر النزاع حول هذا الموضوع وبكن مبدأ التحكيم ذاته لا يمكن أن يصلح أساسا لإقصاء العامل الرئيسي الذي يثير النزاع، وهذا العامل هو ناشئ - كما قدمنا - عن عدم التوصل إلى صيغة دولية مقبولة لتحديد المياه الإقليمية تحديدا رسميا وقارا.
وقد أدرك الرأي العام الدولي بالفعل جوانب هذه الحقيقة فكان من ذلك أن عمدت - منذ عهد بعيد - بعض المؤسسات الدولية إلى النظر في الموضوع بصورة جدية واقتراح ما يمكن أن يكون صالحا من الحلول لتصفيته وكان من ثمرات ذلك: ما أعلنه معهد الحقوق الدولية في جلسة بباريس (1894) من مقترحات تقضي بتمديد المياه الإقليمية إلى مسافة ستة أميال، وقد وقع تطبيق هذا الاقتراح بالفعل في بعض المعاهدات.
وفي سنة 1928 أمكن لمعهد الحقوق الدولية في جلسته باستوكهولم أن يعلن عن تبنيه لنظريات في الموضوع تغاير ما تقدم بعض الشيء, وتقضي بالاقتصاد على ثلاثة أميال كتحديد لمسافة المياه الإقليمية على أن تضاف إليها عند الاقتضاء أميال أخرى إذا استوجب ذلك ضرورات خاصة كمصالح الجمرك أو غير ذلك, وعلى هذا النحو كانت الآراء حول الموضوع تتلاحق وتتوالى باستمرار ويكن دون أن يترتب عنها شيء هام في الميدان العلمي, على أن النظر في مجموع المشكلة قد اتخذ بعد كل ذلك صبغة دولية واسعة النطاق وذلك حينما تم انعقاد مؤتمر لاهاي سنة 1930 للنظر في المعضلات القانونية وما يتصل لها، والحق أن المؤتمر كان خطوة علمية معقولة في طريق التفاهم الدولي حول موضوع المياه الإقليمية ولكنه لم يسفر فعلا عن نتائج ايجابية بالنسبة لما يتعلق بالنقطة الأساسية المرتبطة بتجديد المسافات بالأميال، وإن كان الأعضاء خلاله قد استطاعوا التوصل إلى المصادقة على صيغ عامة لها مساس بمبادئ المشكل لا بجوهره.1
- من بين هذه الصيغ تلك التي تتعلق بتعريف البحر الإقليمي وقد جاء فيها: " أن بشمل إقليم الدولة منطقة من البحر يطلق عليها اسم البحر الإقليمي تمارس فيها الدولة جميع أعمال السيادة وفقا لقواعد القانون الدولي ....