تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهناك غير هذا من الأمثلة والصور الجائزة الوقوع والتي لها أهميتها واعتبارها في هذا المقام.

أما من الناحية الحربية فإن الشواطئ تعتبر ذات أهمية استثنائية جدا في موازين التقديم عند الاستراتجيين والعسكريين سواء في ذلك ما له ارتباط بالمقتضيات الدفاعية أو ما يتصل أيضا بالترتيبات الهجومية، فالامتداد الساحلي في قطر من الأقطار قد يجوز في بعض الحالات - وخاصة في حالة وجود حرب إقليمية أو دولية - أن يكون مصدرا لكثير من المتاعب والصعوبات التي تمس جانب الأمن والاستقرار في ذلك القطر، فقد يفضي بها الأمر إلى أن تصبح منفذا مختارا للتسلل العسكري وخاصة ما يتصل منه بأجهزة الاستخبارات والاستعلامات الأجنبية، بل أنها قد تكون أحيانا ميدانيا منفصلا لعمليات الغزو الأجنبي المفاجئ وما في نوعه كما كان يتم عليه الأمر كثيرا في عديد من الحالات خلال الحرب العالمية الأخيرة، هذا بالإضافة إلى ما يمكن أن تحدثه البوارج المعادية من أضرار بالمناطق الساحلية إذا أتيح لها سبيل الاقتراب منها وخاصة في النقط التي توجد فيها ثغور أو مواقع ستراتيجية هامة، وليس من ريب في أن هذه الاحتمالات تنطوي على كثير من إمكانيات الوقوع وذلك في حالة الحرب التي تقع بين دول يوجد بعضها أو كلها متوفرا على مواقع ساحلية إلا أن هناك حالات أخرى قد تتعرض فيها الدولة الساحلية لآثار حرب قائمة ولو لم تكن تخوض غمارها بالفعل وذلك إذا كانت سواحل هذه الدولة تقع في منطقة العراك الدائر بين دولتين اخرتين في حالة حرب.

وعلى هذا فيبدو بديهيا أن تامين مبدأ السلامة القومية بالنسبة لبلد ما بعد منوطا - في بعض الجوانب - بما بتوفر عليه البلد من كفاءة في مراقبة المناطق الساحلية التي تكتنفه، وكان من شأن هذا بالطبع أن يركز التفكير منذ بعيد في هذا الموضوع الحيوي بكل ما له ارتباط بحياة الإنسان وطمأنينته واستقراره: موضوع الحدود البحرية, وعلى الرغم من تشابك المصالح القومية المتناقضة وتعقد أساليب التعامل في مضمار الحياة الدولية العامة فإن فقهاء القانون الدولي قد استطاعوا أن يستخلصوا من الأعراف والقواعد التي درج عليها الناس منذ بعيد مجموعات من الضوابط القارة التي تحدد علاقات الإنسان بالبحار والمحيطات والتي لها الأثر العلمي اليوم على تنظيم هذه العلاقات في إطارها الحالي، إلا أن صورة القانون الدولي في وضعه الراهن لا تحمل على النقيض من ذلك أية حلول حاسمة للمشكلة القانونية الأساسية .. تلك التي تتمثل في الخلاف الدولي الحاد حول تعيين الحدود البحرية، ورغم أن الموضوع يهم على العموم مجموع أعضاء الأسرة الدولية فإنه يمس على الأخص مصالح الأقطار التي تقع جغرافيا في مناطق بحرية أو محيطة والتي لها - بالنتيجة لذلك- شواطئ ذات أهمية مختلفة، لقد أثار الموضوع منذ بعيد انتباه الأوساط القانونية والدولية وغيرها، وبم بكن هناك مناص من أن تتباين الآراء حوله وتتناقض في نتائج التقديم والتقييم، لقد أمكن للاتجاهات حقا أن تتلاقى على الأقل حول نقطة أساسية في الموضوع وهي الاعتراف بمبدأ السيادة الوطنية لكل دولة على ما يجاوز إقليمها من قطاعات بحرية أو محيطية مباشرة وهذا ما يدعى في العرف الدولي بالمياه الإقليمية, ولا غرو أن التسليم بهذا المبدأ كان شيئا معقولا ومقبولا جدا, ولكن هل كان مجرد التسليم بالمبدأ سبيلا لحل المعضلات القائمة عنه؟ إلا فماذا يراد بمفهوم المياه الإقليمية بالتحديد الدقيق؟ ما نسبة امتدادها في عرض البحر؟ وكم يجب أن يتدرج في مسؤوليتها من حجمه الواسع العريض.

لقد كان من الطبيعي أن يكون الموضوع - وهو بهذه الدرجة من الأهمية البالغة - محط التساؤل والاستفهام, وكان طبيعيا أيضا ألا يكون لهذا التساؤل محل معقول لو كان القانون الدولي ينطوي بالفعل على النصوص القارة التي تحدد الموقف الدولي العام من هذا المشكل، إلا أن الأمر - في واقعه - يبدو على النقيض من ذلك، فالمياه الإقليمية في مختلف أنحاء العالم ليس لامتداداتها حد مرسوم أو خط معلوم، والآراء الفقهية في الموضوع تتباين فيما بينها كل التباين وبقدر ما يشتد الجدل والاختلاف على الصعيد النظري بقدر ما يتشعب هذا الاختلاف وتعنف مظاهرة في الميدان العلمي من الحياة الدولية العامة.

ويتركز الخلاف خاصة حول الحد الأقصى لامتداد المياه الإقليمية فهناك من الدول من يلتزم بمبدأ الحفاظ على ثلاثة أميال بحرية (خمسة كيلومترات ونصف تقريبا) كحد أعلى بينما يوجد ثمة من الدول الأخرى ممن لا يقر هذا الحد وبتجاوزه على مدى أربعة أو ستة أميال كاملة الامتداد، هذا بالإضافة إلى فريق ثالث من الحكومات ... تلك التي تستبيح رفع حدود مياهها الإقليمية إلى مستوى أعلى من ذلك بكثير (اثنا عشر ميلا).

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٥٠٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٥٠٢