تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

للبحث عن مختلف ألوان الثروة من استهلاكية وصناعية وترفيهية وطبية وغيرها، بل أن الثروات البحرية بأشكالها المختلفة هذه لم تعد موضوع عناية الأفراد ومرتكز نشاطهم المهني الخاص فقط، بل أصبحت الاستفادة منها - على أوسع نطاق - شأنا هاما من شؤون الدولة تستعين به في بناء هيكلها الاقتصادي وتستند إليه - بالتالي - في ضمان بعض الجوانب في ميزانياتها الأساسية أو الإضافية، فقد غدا النشاط البحري المرتبط بالسمك مثلا يؤلف نواحي هامة من الاقتصاد القومي لكثير من البلدان والأقطار وذلك كالمغرب الذي تعتمد فصول ضرورية من موازنته العامة على حركات اصطياد السردين وتعلبيه وتصديره ونمت كمثال أيضا كثير من الأقطار الأخرى التي تتميز بأحوال مماثلة, بل إن من بين هذه الأقطار ما يكاد اقتصادها القومي ينحصر- بصورة أساسية - في نطاق الموارد الصيدية خاصة, ومن أمثلة ذلك: ايسلاندة، تلك الجزيرة النائية التي يعتبر السمك قاعدة رئيسية في بنائها الاقتصادي الوطني سواء في ذلك ما يتصل بمستواها المعيشي الخاص أو يتعلق يتطور تجارتها الخارجية، وهكذا الشأن بالنسبة للصور الأخرى التي يتمثل فيها الاستغلال البحري كاستخراج الأحجار الكريمة أو غيرها.

وإذا كان أمر البحار يعني بهذه الصورة عموم الدول والحكومات التي تحدوها اهتمامات علمية أو مصالح اقتصادية أو ستراتيجية أو غيرها فإنه يهم بصورة أخص الدول التي تتوفر على امتداد ساحلي خاص نتيجة لموقعها الجغرافي البحري أو المحيطي، فالأمر بالنسبة لهذه الدول ليس فقط استثمارا أو استغلالا بقدر ما هو أمر حفاظ على الحوزة والحمى وتامين للذاتية والكيان، ذلك أن الشواطئ كما هي منفذ للبحث عن الثروات واستخلاص المنافع والمصالح فإنها تبدو كذلك مصدرا لكثير من المتاعب المعقدة بالنسبة للبلدان التي تنتسب إليها تلك الشواطئ, ومن أهم هذه المتاعب ما يتصل بموضوع السلامة القومية التي هي مناط اهتمام كل شعب يهفو إلى الحياة المتحررة المطمئنة الكريمة, والسلامة القومية هنا براد مفهومها الواسع الذي يعني الحفاظ على جميع العناصر التي تساهم في تأمين استقرار سيادته وكيانه وذلك في مختلف الظروف والحالات وبكافة الوسائل والأسباب.

إن تحقيق مبدأ السلامة القومية هذا يقتضي التوفر على القدر اللازم من العناية بالسهر على الحدود ومراقبة كل ما يجري وراء هذه الحدود من حركات مبطنة أو مكشوفة واستطلاع أهم ما يمكن أن تنطوي عليه هذه الحركات من إستمالات حسنة أو سيئة.

ومن البديهي أن الاضطلاع لهذه المهام يكلف الدولة - في الغالب - كثيرا من الأعباء الجسيمة، غير أن هذه الأعباء تغدو أكثر جسامة إذا كان الأمر مرتبطا بتأمين الدفاع عن الحدود البحرية وضمان حصانتها، ففي هذه الحالة يكون تأمين السلامة القومية للبلد مهمة دقيقة وعلى جانب لا بأس به من الصعوبة والتعقيد, خاصة وأن السواحل تتشكل - في الغالب - مجال انطلاق لقدر من الاحتمالات المثيرة للاهتمام كثيرا.

وليس هناك من تحديد للحالات التي يبدو فيها وجود السواحل كأمر يثير مشاعر الحذر والاهتمام لأن ما قد يترتب عن إهمال مراقبتها لا ينحصر في إطار معين من الاحتمالات, بل أن هذا الإهمال يقود - في بعض الحالات - إلى كثير من النتائج التي يوجد بعضها على نسبة من الأهمية والخطورة سواء في ذلك ما يتصل بالناحية المدنية أو العسكرية.

فمن الناحية الأولى فإن الشواطئ قد تغدو أحيانا مجالا رحبا للنشاط التهريبي الذي يسهم - غالبا - في خرق الأنظمة الاقتصادية للدولة بما يعين عليه من حركات تجارية غير مشروعة من بينها:

1) تهريب المواد المحظورة (الأفيون مثلا).

2) تهريب البضائع المقننة (بعض الوسائل الطبية غير المباحة مثلا).

3) تهريب السلع غير الجمركية (التي لم تؤد عنها واجبات الجمرك).

كما أنه من الجائز أيضا أن تلعب الشواطئ دورا أساسيا في تنقل عدوى الأمراض والأوبئة الوافدة من الخارج.

إن ثمة حالات كثيرة من تسرب الجراثيم الوبائية إلى داخل بلد ما بهذه الصورة البسيطة ومن العادي أن يتم ذلك عن طريق النزول السري في السواحل دون إطلاع المراقبة البوليسية أو الصحية وبالتالي دون لاحق تدخل منها.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٥٠١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٥٠١