الفكري وكان لهذا النادي أثره في الحركة الفكرية وفي توسيع نطاقها.
لقد استطاع المفكرون غربا وشرقا في أيام خلت أن يكافحوا وأن يواصلوا الكفاح في غير توان، ولقد كان ممكنا يوم أن كانت وسائل النشر والإذاعة ويوم أن كانت الإمكانيات محدودة وفي غاية ما يمكن أن يكون عليها الضيق. وسيظل التاريخ البعيد والقريب يقدم لنا دروسا في كثير من المشاكل التي تعترضنا، فالمسألة إذن بالنسبة لهذا الجمود الفكري إنما هي مسألة بعث روح الكفاح في نفوسنا، خصوصا وقد أثبت التجربة في تاريخنا القريب أننا قادرون على خلق نهضة فكرية، ذلك لأننا كنا ونحن في ظروف عسيرة استطعنا أن نضع نواة لنهضة فكرية ما تزال بعض صورها تشهد في تاريخنا القريب بأننا قادرون على الخروج من هذا الجمود الذي ربما تكون قد اخترناه لحياتنا الفكرية، ولكن كان النشاط الفكري في عهد الاستقلال قد اعتراه ضعف ثم توالى هذا الضعف حتى أصبح جمودا فإن مرد ذلك أولا وبالذات إلى أننا فقدنا روح الكفاح التي كنا نطاول الاستعمار ونتحداه بها، فكنا نصدر المجلة الأدبية برأس مال مضحك بسيط وكنا نطبع في مطابع تكاد تكون بدائية. وكنا نكتب ونقدم ما نكتبه للرقابة الفرنسية وكانت هذه الرقابة لا توافق في كثير من الأحيان على نشر ما نكتبه وكنا نتحداها ونعيد الكرة فنكتب ونقدم ما نكتبه لها، وكان هدف الرقابة الفرنسية أن تجعلنا نستسلم ونيأس ليخيم على حياتنا الفكرية جمود تام، وبعبارة أخرى أوجز كنا في صراع مع العوائق والمثبطات فانتصرنا عليها حتى يئست هي فرضخت للأمر الواقع.
قد يقول البعض أن ما كان يكتب في تلك الفترة لم يكن في كميته ولا في كيفيته شيئا يذكر بالنسبة لما تتطلبه حيانا الفكرية اليوم، وذلك باعتبار مظاهر الطور التي أصبحت عليها شؤون الفكر الثقافية, وهذا صحيح، ولكن المؤسف هو أننا لم نستطع في عهد الاستقلال أن نجاري مظاهر هذا الطور فظلت شؤوننا الفكرية حيث هي، بل أن البعض من الناس يقولون أنها ربما تكون قد تأخرت قليلا عن المكان الذي كانت قف فيه، وأيا ما يكون التعليل الذي نعلل به هذا الجمود الفكري فإننا نرجع في خاتمة المطاف إلى العلة الأصلية إلى هي ضعف روح الكفاح في نفوس بعض الأدباء المتقين، وعدم وجودها بتاتا عند البعض منهم.
لقد أصبحت اجتماعاتنا الدولية عبارة عن صرف الوقت في أشياء تافهة، وأحيانا تكون سخيفة وأصبحت أحاديث السمر في بيوتنا مملة لأنها تدور حول أشياء تافهة، وانصرف الذين كانوا يقرؤون عن القراءة انصرافا مزعجا، بينما لم يقيل المتفقون المحدثون عليها, ويضاف إلى كل ذلك عامل آخر ألا وهو خلو حياتنا العامة من روح الحياة الاجتماعية التي تجعل أفراد الشعب يكيفون حياتهم بأشكال مختلفة تجعل هذه الحياة تتسم بشيء من التنوع وذلك مثلما تتسم الحديقة الغناء بأشكال وأنواع من الأزهار، ومن مظاهر الجمود في حياتنا الاجتماعية أن الأغلبية منا تنصرف بأجمعها إلى نوع واحد، فالهواية الوحيدة التي يتجه إليها البعض تنساق إليها الأغلبية دون رؤية أو تفكير، فالنوادي التى وجدت عندنا تكاد تكون كلها على شاكلة واحدة، ولذلك يلاحظ أنها من القلة حتى أنها لا تكاد تذكر ودوائر التوجيه في أجهزة الدولة لا تقوم بأي نشاط فكري سواء أكان ذلك من اختصاصها أم لا، وهذا بعض ما ساعد على استمرار هذا الجمود الفكري، على أن من رسالة المثقفين أن يكافحوا لإزالة هذا الجمود وأن يحاربوه في جميع الواجهات وأن يكون كفاحهم يتسم بالاستمرار والمثابرة.
ويقول البعض من أدبائنا ومفكرينا أنهم لا يكتبون لأنهم لا يجدون من يقرأ ما يكتبونه، وفي رأيي أن الأمر يختلف باختلاف صور الإنتاج، فإذا قدمنا للقراء المغاربة إنتاجا يوافق ميولهم ويراعي مستواهم فإننا ولا شك نجد من يقرأ وما الأحجام عند المحاولات الأولى في هذا الباب سوى أحد الأدلة على ضعف روح الكفاح عند المفكرين في بلدنا.
فلنكتب مثنى وثلاث ورباع ولنواصل الإنتاج مع مراعاة مستوى المستهلك - كما يقال بلغة الاقتصاد - وأعتقد اعتقادا يكاد يكون جازما بأننا سنجد هذا المستهلك وسيجدنا هو، لأننا في هذه الحالة سنظل نبحث عنه وسنظل ننتج له ما يتناسب مع قدرته الاستهلاكية حتى نتمكن من ابتلائه بالقراءة، أما الذين يكتبون وينتجون دون الأخذ بهذا الاعتبار فهم الذين قد لا يصادفون المستهلك رغم تعدد المحاولات، ويجب كذلك أن نتردد إلى الحلاقين والإسكافيين مثلها كان يفعل الأدباء المكافحون الذين استطاعوا أن يقاموا الظروف وينشروا نور الثقافة لتنتج أدبا يعبر عن إحساس الجمهور القارئ، أن