دعوة الحق س 3 ع9/يونيو 1960 .................. ص35
نهضة الفكر: كفاح متواصل
بقلم: أحمد زياد
ترتفع الأصوات من حين لآخر مستنكرة هذا الجمود الفكري الذي نحياه ونعيشه، وتستعرض أسباب هذا الجمود ودواعيه في شيء من الإفاضة حينا وفي شيء من الإيجاز في أحيان أخرى، وتستعرض الحلول التي من شأنها أن تخرجنا من هذا الجمود وتجعلنا نعيش في حياة فكرية مشرقة، ومهما اختلفت العروض وتباينت الحلول فإن الشيء الذي يتفق عليه الجميع ونأخذه على أنفسنا بل ونواخذ نفوسنا به هو أننا نعيش في جمود فكري، وأن عزائمنا في هذا الباب لم تتجدد وحتى أنها لتكاد تكون عزائم فاترة لا يزيدها مرور الأيام إلا فتورا على فتورها.
الحقيقة أننا نعيش في جمود فكري، والحقيقة أن لهذا الجمود الفكري عوامل وأسبابا، ولعل من أهم هذه الأسباب هو أن روح الكفاح التي كانت تحدونا فيما قبل لأن نبدد ذلك الجمود الذي كان أعداء الحرية الفكرية في بلدنا يفرضونه فرضا علينا - هي التي خفتت في نفوسنا، ومهما يكن للأسباب الأخرى من تأثير في هذا الجمود فإن انخفاض مستوى الحرارة في هذه الروح هو السبب الأصيل، فالنهضات الفكرية لم تقم دعائمها في شعوب فتية بما يمكن للدولة أن تقدمه إليها من تشجيع ومساعدات، وإنما قامت النهضات الأدبية مثلما تقوم كل رسالة من رسالات الحق والخير والفضيلة التي بذلها المفكرون المكافحون الذين ناضلوا طويلا وما هانوا وما استكانوا وما ضعفوا في أداء هذه الرسالة، ويحدثنا التاريخ في كثير من فصوله وفي شيء غير قليل من الإسهاب عن هذا الكفاح ويقدم لنا صورا من النضال المرير الذي خاضه المفكرون لأداء هذه الرسالة إسهاما منهم في رفع مستوى شعوبهم، وتعترضها من حين لآخر عند قراءتنا، لهذه الفصول صور من هذه العوائق التي كان أعداء حرية الفكر ونهضته يضعونها في طريق المفكرين عسى أن ييأسوا وعسى أن ينضب معين قرائحهم فيكون مثل هذا الجمود الفكري الذي نعيشه ونشتكي منه ونظهر أننا متبرمون منه غير راضين عنه ويحدثنا التاريخ كذلك أن جهود المفكرين كانت تصاب أحيانا بخيبة وتمنى بما يشبه الفشل، ولكن المفكرين الذين كانت روح الكفاح يشبه الفشل، ولكن المفكرين الذين كانت روح الكفاح قوية في نفوسهم لم يسأموا ولم يستسلموا أو لم يكونوا ليياسوا ويستسلموا. فكتبوا بنات أفكارهم في مسودات ورقعات رديئة ونشروا أفكارهم بكل وسيلة ممكنة، فكانوا يلقنوها للرواة ليذيعوها ويروجوها. وكانوا ينجحون كل النجاح أو بعض النجاح في جعل الناس يشتغلون بشؤون الفكر والثقافة وكانت النوادي الفكرية تعقد في المنازل وفي المتاجر وكانت النشرات تصدر عنها في غير زخرفة وبدون إخراج فكان مما لا بد منه أن يشغل الناس بأمر الفكر، وكان مما لابد منه أن يصبح النشاط الفكري جزءا لا يتجزأ من الحياة الاجتماعية و كان مما لابد أن يخضع خصوم الفكر للأمر الواقع، حتى أصبح للفكر تأثيره الذي لا يمكن التغاضي عنه لأنه أصبح حقيقة واقعية في حياة الناس، ويحدثنا التاريخ الفكري عن عصر النهضة الفكرية في إيطاليا - مثلا - فيذكر لنا كيف كان دكان الحلاق" بوتشيني" في مدينة البندقية منتدى الأدباء والشعراء، وكيف كان بعض الأدباء يتبادلون فيه الآراء الفكرية فيحملها الزبناء إلى الشارع لترى وتذاع.
ويحدثنا تاريخ الفكر في فرنسا كيف كان دكان الإسكافي " بورمان " يكون ندوات فكرية، تنتشر منه الأفكار الحية الواعية في مختلف شؤون الفكر والثقافة حتى أن الإسكافي " بورمان " نفسه قداسهم في هذا الكفاح