تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تلك الكورة فيما يبدو، ولذلك تشير بعض المراجع التاريخية، إلى أن قبيلة مصمودة من طنجة4.

أما سبب انتماءهم إلى "ليث" فمرده إلى أن وسلاس جد يحيى قد أسلم على يد يزيد بن أبي عامر اليثي، من ليث كنانة، خلال فتح المغرب5 وثمة رواية أخرى تجعل الذي أسلم على يد يزيد: شملل وليس وسلاس، رواية كان من الممكن أن نقف عندها، لولا أن راويها أضاف إليها، أن شملل هذا، دخل الأندلس مع طارق بن زياد وشهد الفتح5 أمر تنقصه المصادر التاريخية الأخرى على كثرتها وتنوعها، وينقصه أن يحيى ولد على التأكيد قبل عام 147هـ/ 764م، وان عبور طارق إلى الأندلس تم صيف عام 92هـ/711م، أي أن الزمن بين فتح الأندلس ومولد يحيى هو ثلاثة وخمسون عام، وهو زمن أقل بكثير من أن يضم خمسة أجيال تتلاقى، ولو كانوا من كبار المعمرين، ولذا نميل إلى الرواية الأولى ونأخذ بها جملة، كما نترك الأولى جملة أيضا، لان انتقاء جزء منها يجعل الباقي موضع شك، وخارجا عن دائرة اليقين، وبخاصة أن الذين جاءوا مع طارق، من غير القادة والموجهين وسراة القوم، لابد أن يكونوا شبابا يتحمل عبء الحرب وأهوالها، أمر لا يتأتى لهرم لا يدفع ولا ينجد، ويكون عبئا في تحركه وفي مقامه على السواء.

ولا تشير المصادر إلى الدور الذي لعبه أبوه أو جده، إذ يبدو أنهما كانا من غمار الجنود، الذين قلما يحفل بهم أحدا، أو إذا لعبوا دورا هاما فإلى غيرهم ينسب، ممن كانوا ذوي حظوة أو محط جاه، ولكن المؤرخين وان عرضوا عما كان لأبيه وجده، فليس ذلك يناف أنهم لم يكونوا في قرطبة من النكرات، فقد كان لهم بيت، يعرف ببيت أبي عيسى، الكنية التي كان بحملها الأب7.

وعلى أي، فإن أعراض المصادر التاريخية عن ذكر أبيه وجده، لأنهما لم يكن لهما نشاط يعرفان به، أو كان لهما ثم تجاهلته كتب التاريخ، كل ذلك ليس بناف شرف البيت الذي نشأ فيه، فقد كان من مصمودة، ولمصمودة تاريخ مذكور مشهور، فيما قبل الإسلام أو فيما بعده، فقد كانت من أكبر البطون التي تشكل فرع البرانس، وكانوا مع صنهاجة يشكلون أساس سكان البربر وكان منهم مسيرة المطغري، أكبر وأول من ثار على الحكم العربي، في خلافة هشام ابن عبد الملك.

وكان هؤلاء البربر يلتقون مع العرب في أشرف ما عرف من الخصال، كانوا شجعانا محاربين يغارون على حريتهم فلم يعرفوا حكم الأجنبي يوما، ولم يستطع حكم الرومان في الأزمنة القديمة، أن يتجاوز الساحل المحاذي للبحر الأبيض حيث المدن والاستقرار وأخلاط من الناس من كل فج وصوب، ومن كل عشير وقبيل.

ولعل الإسلام لم يلق في امتداده من العنت والمشقة، ولم يبذل من الدماء والشهداء كما بذل في المغرب، في قلبه أو في أطرافه على السواء، ولم تهدا الأمور فيه، إلا عندما اعتنق أهله الإسلام، وألقيت مقاليد الأمور إليهم، فكانوا في إسلامهم كما كانوا في جاهليتهم شجعانا أقوياء، فحملوه حيث استطاعوا ودافعوا عنه ومازالوا، ودفعوا به إلى الأندلس شمالا، والى قلب الصحراء جنوبا، وأهدوا العالم الإسلامي في العصور الوسطى، أكير وأعظم دولتين مغربيتين: دولتي المرابطين والموحدين.

يقول ابن خلدون، وقد عرف البربر وخالطهم وعاش معهم فكتب عن بينة ووصف عن خبرة وسجل عن يقين واقتناع أن تخلقهم بالفضائل الإنسانية، وتنافسهم في الخلال الحميدة، وما جبلوا عليه من الخلق الكريم، مرقاة الشرف بين الأمم، ومدعاة المدح والثناء، و ما جبلوا عليه، من عز الجوار، وحماية التنزيل، ورعي الذمة، والوفاء بالقول وايفاء العهد، والصبر على المكاره، والثبات في الشدائد، والإغضاء عن العيوب والتجافي عن الانتقام، ورحمة المسكين، وبر الكريم، وتوفير أهل العلم، وحمل

4 - الحميدي، جذوة المقتبس، ترجمة رقم 908 ص 309 بتصحيح وتحقيق محمد بن تاونت الطنجي.

القاهرة 1372هـ 1352م وانظر ياقوت، معجم البلدان، مادة (سوس) ج5 ص171 و172.

5 - جذوة المقتبس، ت 908 ص 908.

6 - نبذ تاريخية في أخبار البربر، ص 60.

7 - جذوة المقتبس ت908.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٤٨٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٤٨٢