تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقال الثاني: إني أحب الثمر المستورد من مالقة، مسقط رأسي، فعيني قاضيا لهذه المدينة، لأشبع نهمي من فاكهتي المحببة.

وقال الثالث: إن منظر الحدائق الجميلة يأخذ بلبي، فعيني صاحب المدينة.

وكان الرابع قد احتفظ بهدوئه وأدار ظهره لما يقول زملاؤه، ساخرا من أحلامهم الجامدة، ولكن المنصور اتجه إليه يسأله: وأنت ماذا تريد؟ ثمن علي، لن أظن عليك بما تريد عندما أصبح أميرا.

فالتفت إليه الفتى في كثير من السخرية، وفي كثير من الاستهزاء قائلا: عندما تحكم الأندلس الغلبانة أرجو أن تأمر بطلي بدني بالعسل، وان اترك فريسة للنحل والذباب يلسعني، وان أوضع على حمار، ظهري إلى الأمام ووجهي إلى الخلف، وان يطاف بي شوارع قرطبة على هذا النحو.

رماه المنصور بنظرة حادة، ولكنه احتفظ بهدوئه كاملا، وقال في هدوء رزين، كمن يعلم جيدا حقيقة ما يقول، سيبلغ كل واحدا منا هدفه يوما.

ويرجع المنصور إلى داره، إلى دار قريب له كان يأويه، وبات ليلته، وفي الصباح الباكر لم يذهب كعادته لتناول طعام الإفطار مع الأسرة، وقد ظن مستضيفه أنه لا يزال نائما بعد، فذهب ليطمئن عليه، فوجده يقظان مجهدا، محمر الجفن، مربد الوجه، من أثر التفكير الشديد.

- يبدو أنك لم تنم ليلتك السابقة؟

- نعم هو ذاك!

- ما الذي أضجرك؟

- كنت أفكر في شيء غريب ...

- في أي شيء كنت تفكر؟

- كنت أفكر في الرجل الذي سأعينه قاضيا عندما أحكم، لأن القاضي الحاضر لن يطول به العمر حتى يبلغ ذاك ولقد طوفت الأندلس شرقا وغربا، فلم أجد إلا رجلا واحدا يستحق أن يتولى هذا المنصب الجليل!

- اهو الفقيه محمد بن المسلم؟

- نعن، هو ..

ولقد تحققت أحلام الطالب الفقير كاملة، فحكم وعين، ووضع كل ما جرى به خياله موضع التنفيذ.

***

القصة يحفظها التاريخ عن المنصور، ولكنها, من قريب أو بعيد، تصور طموح المغمورين، فيما قبل عصره وفيما بعده على السواء متى تماثلت الأجواء وتعادلت المقدمات، حتى لم تكن هناك حجوز تصد الطامع أو الراغب، متى اخذ بالوسائل، ودفع ثمن العظمة غالبا غير رخيص، ولقد كان في الأندلس كثيرون شاركوا المنصور آماله وأحلامه، وأن نحوا غير ما انتحى، وسلكوا غير ما سلك، وامتطوا لها غير ما امتطى من العدد وطرائق التنفيذ، ولكن التاريخ قلما بعرض لطفولتهم، فلا يذكرهم إلا وهم أقوياء متمكنين، يفرضون أنفسهم على مسرح التاريخ.

وكان يحيى واحدا من هؤلاء.

وإذا كان المؤرخون قد غفلو عن يحيى صبيا يدرج، وناشئا يستقل الحياة، فقد حفظت لنا شهرته فيما بعد نسبة كاملا، فأشار إليه كل مرجع عرض ليحيى أصيلا أو تناوله من بعيد.

فهو: يحيى بن يحيى بن كثير بن وسلاس بن شملل1 بن متفايا، من قبيلة مصمودة، يكنى أبا محمد، وأبوه يحيى يكنى أبا عيسى2، وكانت مصمودة قد اتخذت لها سكنا في جبل دون وما حوله من بلاد السوس وما يليه3، وكانت طنجة عاصمة

1 - اتفرد كتاب " نيذ تاريخية في الخيار البربر" في كتايها " شملال" بالألف من بين كل المؤلفات العربية من 60 وهو مؤلف مجهول، وقد نشر في الرباط

عام 1352هـ 1934م.

2 - إبن الفرضي، تاريخ علماء الأندلس، ترجمة رقم 1554، طبعة مدريد 1890، وانظر: ابن فرحون: الدباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب ص

79 طبعة القاهرة 1351.

3 - نيذ تاريخية في أخبار البربر ص 76 وانظر أبو الفدا المختصر في تاريخ النشر ص 97 طبعة المطبعة الحسنية، القاهرة بلا تاريخ.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٤٨١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٤٨١