تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كان ذلك القادم يتمثل في علم مدون، وفي مذهب إن لم تكن خطوطه قد تحددت تماما، فقد كانت على أي حال واضحة في ذهن شيخه وفي أذهان طلابه على السواء.

لم يكن ذلك العلم الوافد إلا موطأ مالك.

ولم يكن ذلك العلم الجديد غير مذهبه ...

لقد حمله العائدون من الحج، والقادمون من الرحلة وكانت خطواته الأولى رفيقة مستأنية ولم يلبث أن نما سريعا وترعرع وشيكا، فاشتد ساعده، وتوصلت جذوره وبسط نفوذه على الدولة كلها، وقدر له أن يلعب دورا رئيسا في متنوع مشاكلها ومختلف قضاياها.

لقد صحب المذهب المالكي الأندلسي وليدة ناشئة، فغضه لدنة تحاول أن تقوى وان تشتد، ثم فتية نضرة، فخلافة عملاقة، لجلالها رنين ولفعلها صدى. ثم ضعيفة متهالكة، فموزعة مقسمة، ثم رآها تحتضر على فراش الموت، فقد الذين حولها سمات الحياة الدافعة فهم عاجزون عن بكائها.

وطوال هذه الرحلة، كان المذهب المالكي وحيدا، أو قريبا من ذلك، لقد وفدت مذاهب كثيرة وآراء مباينة، ولكن المالكية ظلت وحدها صاحبة القول الأخير.

-2 -

لا يذكر المذهب المالكي في الأندلس، إلا ويذكر معه يحيى بن يحيى ...

لقد كان واحدا من العمد الشامخة التي نهض عليها، وكان واحدا من العوامل الفعالة التي كتبت له الامتداد والرسوخ، فقد كان لصلته بهشام الأول، ثم حظوته لدى عبد الرحمان الثاني، ابلغ الأثر وأعظمه في انتشاره بالأندلس، ومزاحمته كل المذاهب التي أقبلت من الشرق في مصره، أو فيما تلاه من سنين وأيام. فمن هو يحي؟

إن معلوماتنا عن طفولة الفتيه الذي احتل من صفحات التاريخ مكانا، وفرض اسمه على الزمان، وقاوم عوادي الغناء واستعلى على النسيان، جد قليلة أو هي معدومة أن جاز لنا هذا التقدير.

فلم يكن المجد إذ ذاك يورث فسمع الناس وارثيه منذ أن يلقوا الحياة أطفالا، إلى أن يأخذوا مكانهم من مسرحها ممثلين، ولم يكن ارتياد العظمة وفقا على جيل دون آخر، أو تختص به استمر دون قبيل وإنما هو حق لكل من غامر وسابق وزاحم وناكب، وتعشق الآمال الكبار.

وتاريخنا منذ عرفنا قوة مؤثرة في الأحداث الإنسانية، مليء بهؤلاء العظماء، جاءوا من غمار الناس، فاعتلوا العروش، وقادوا الجيوش، وأهدوا البشرية جديدا من المواهب والآراء.

***

جلس المنصور بن أبي عامر، عملاق الأندلس فيما بعد عصرنا الذي تؤرخ فيه لفقيدنا الكبير، مع أربعة من زملائه الطلاب، في حديقة من عديد كانت تغص به قرطبة أو أرياضها، في يوم شامس، افترشوا الخضرة، وخلعوا عذار الوقار، ملء أهابهم الشباب، وملء جنانهم الأمل يأكلون بشهية ويضحكون في عمق، كأنهم لم يروا في حياتهم شقوة ولا تعيسا من الأحداث، إلا المنصور نفسه، فقد ظل هادئا ساكنا لم يتحلل من وقار الكبار، ولم ينزلق إلى عبث الفتيان، وعبثا حاول رفاقه أن يكسبوه إلى صفهم، وعندما أنهوا مجلسهم، صاح بهم لا تعجبوا، إني أروض نفسي لأكون جديرا بما أطمح إليه من آمال وما ينتظرني من مهام، فسوف أكون سيد هذا البلد يوما، وضحك رفاقه، ضحكوا من زميلهم الذي يحلم بخلافة الأندلس، وقد كان إلى دقائق يقاسمهم طعامهم على الأرض، طعاما متواضعا، لا تحويه مائدة، ولا يقدمه خدم، ولا يحيط بأكله حرس ولا هيلمان.

ولكن المنصور مضى بفصح عن آماله ويضغط عليها, أنا واثق مما أقول، تمنوا علي، ليقل لي كل واحد منكم، ما يريد أن أعهد إليه من مهام عندما أصبح الحاكم المطاع.

وبدأ واحد منهم، ساخرا أو جادا بحلم بأكلة شهية، مما يرى في الأسواق، دون أن يروي له ظلما أو ينقع غليلا، نعم يا صديقي، أنا أريد أن أصبح صاحب السوق، يومها سوف أحصل على ما أريد بثمن معقول، أو بلا ثمن على الإطلاق.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٤٨٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٤٨٠