تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولم يقدر للأندلس أن تشهد استقرارا كاملا من سنوات الفتح الأولى، فكانت تتنازعها خلافات العرب فيما بينهم وبين أنفسهم، وفيما يبنهم وبين البربر، وفيما بين أولئك وبين سكان البلاد، ثم قدر لتلك الفترة القلقلة التي دامت قرابة خمسة وأربعين عاما (711/ 756) أن تنتهي بقدوم شاب عربي أموي هارب من مذابح الأمويين، هو عبد الرحمان بن معاوية والذي عرف فيما بعد بعبد الرحمان الداخل أو الأول.

كان عبد الرحمان أهلا للرسالة التي اضطلع بها، موفور الذكاء، عليما بدخائل السياسة، شجاعا مقدما، فلم يمض عليه طويل وقت حتى أعاد للأندلس وحدتها وهدوءها وأمنها واستقرارها وفي عهده بدأت شخصيتها العلمية والثقافية تتطور نتيجة طبيعية لواقع الحال، أو بدافع من الأمير نفسه، فقد كان يريد أن يزاحم بإمارته الجديدة دولة العباسيين هناك، وأن يحيى في الغرب مجد أسرته الدارس في الشرق وان يجعل من هذا الركن النائي من الإمبراطورية الإسلامية مأوى للفارين من ذوي رحمه تلاحقهم سيوف العباسيين.

ولقد بدأت الثقافة الشرقية ترد الأندلس بكل ألوانها، وبدأت دراسات الفقه والحديث واللغة، ثم تلتها ألوان أخرى من الأدب والشعر والموسيقى، وأخذت شخصية الأندلس العلمية تستقل شيئا فشيئا، حتى أصبح لها أخيرا مدارس متميزة في الفقه والنحو والفلسفة وكل مناحي التفكير العربي، ويميز فقهاؤها بأنهم لعبوا اكبر دور وأخطره في الحياة الاجتماعية والسياسية على السواء.

كان التشريع وما يتصل به من حديث وتفسير وفقه وفتوى، أحق ما يتلقاه الأندلس من الشرق، إمارة تابعة للخلافة، أو دولة مستقلة يحكمها أمير، أو حتى حين انتهى لها الأمر إلى أن تصبح خلافه، ترى نفسها أحق من غيرها بذلك اللقب، من صغار الثائرين في أطراف الدولة الإسلامية، أو من المتوسلين بآل البيت متخذين من الانتماء إلى علي وبنيه ستارا. أو من الهامشية والقرشية فيأمر لا يرى الناس فيه الوراثة متسرعين أو من عامة المسلمين.

بلى، وأحق من الخليفة نفسه في بغداد أسير سجنه، ولعبه حرسه، ودمية يلهو بها العجم من فرس وأتراك، يعزلونه متى يشاءون، ويدعونه ما تركهم يعبثون، يعبثون بالدولة وبالمواطنين معا، وتلتقي معهم في الغاية والوسيلة محظيات الخلفية، ومن في ركاب الخليفة، من الأمراء والقادة، علانية أو من وراء ستار.

ولقد جاء التشريع إلى الأندلس مع الناس فرادى يبحث عن الحكم حين يتطلبه الواقع من حدث أو معضلة، ملتمسا له في نصوص القرآن أو سنة الرسول أو تصرف الصحابة، فلم تكن مدارس الفقه قد تكونت بعد وأن كان مالك وأبو حنيفة بدأ يجلسان للناس في حلقة، يعلمان فيها ويفتيان، فيتنقل الناس منهما، دون أن يقال أن هناك مذهبا له رسوم وحدود، وان هناك مدرسة لها طابع وتقاليد، إنما جاء ذلك بعد، مع وفرة الطلاب واحتكاك الأفكار، ونضج الآراء وشدة الجدل وابتداع المناظرة فتعصب كل لشيخه، وأثر كل في قرينه وتساند الموافقون في المنحى والاتجاه.

وكانت سنوات الفتح الأولى عملا حربيا متصلا، ومع كل جيش قاض يؤم الناس للصلاة، ويحكم فيما يعترضه من مشكلات، ويقوم بقسم الغنيمة وتوزيع الفيء وكان ذلك القاضي معينا في القليل النادر، ومتعارفا عليه في الكثير الشامل، دون حاجة إلى تسمية من الخليفة، أو تعيين من الوالي، إنما هو سريان للتقليد العربي، حين يحكم الأكثر فضلا، الأطول عمرا الجامع لصفات الرجال في مضمونها العميق.

***

مع وصول الشاميين المحصورين في سبتة بزعامة بلج بن بشر (123هـ 741م) وتغلبهم على الأندلس وتوزعهم في أرضها، بدأوا يفتون ويقضون ويتحدثون عن فقيه الشام الإمام الأوزاعي، دون أن تكون هناك نية معينة لتثبيت مذهبه، أو فرض طريقته في التشريع والتقنين، ولم يترك الأوزاعي فقها مدونا، فلم يكن التدوين قد شاع بعد، ولم تكن الشام على طريق القوافل، فيهرع إليها الراحلون طبعا للعلم أو رغبة في المعرفة، ومن ثم لم تلبث طلائع مذهبه في الأندلس أن جفت قبل أن تعطي ثمرا، أو تضرب جذورها في الأرض بعيدا، فتستعصي على الخلع، وتقوى على مواجهة الجديد القادم من الأفكار والآراء.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٤٧٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٤٧٩