دعوة الحق س 3 ع9/يونيو 1960 .................. ص14
الإسلام والدفاع عن المبطلين
للأستاذ: محمد الطنجي
الإسلام دين الحق والعدالة، كان له أعظم الأثر في رفع شان الحق ونشر العدالة في كثير من المجتمعات البشرية فهو يريد من المسلمين وغير المسلمين وغير المسلمين أن يكونوا حماة عدالة وإنصاف، لا رعاة معاهدات أو إطماع ظالمة اتخذت شكل اتفاقات وأحلاف، يريد الإسلام الناس أنصار مبادئ ومصالح عليا، ينصرونها في السر والنجوى، كما ينصرونها في الظاهر والعلنية، ولهذا رأينا أن نذكر وجهة الإسلام ورأيه في المناجاة التي تقع بين الجماعات أو بين الأمم، حتى يعرف المواقف والمخالف أن في دين الإسلام من سمو المبدأ ومحو التعصب ما ينعش ذوي النفوس المؤمنة، وأهل الضمائر الحية، ويضفي عليها شعورا كريما من الغبطة والسعادة، كما أن الإسلام يحارب الظلم والخيانة، وببعض المتآمرين بالشر كيفما كانت جنسيتهم ودينهم ولونهم، وذلك ما يستخلص من عدة من القضايا التي تناولها، ومنها القضية التي جاءت الآية لا خير في كثير من نجواهم الخ تعقيبا عليها، فكانت هذه الآية ردعا لكل من يتآمر بالباطل لمنع الحق، وكانت إنكارا لتمالؤ الجماعات بالسر والنجوى في غمرة العصبيات على حساب حقوق الغير واهتضام العدالة.
وكثيرا ما كانت بعض القضايا الجزئية تمس مبدأ عظيما فينزل القرآن بتشريع سام يحمي كيان الحق والعدالة من كل جوانبها، ومن ذلك قصة السرقة التي حاول بعض المنافقين أن يزكي فيها السارق، ويضع مسؤوليتها على البريء، فقد روي عن ابن زيد أن رجلا سرق درعا من حديد، وطرحها على يهودي فقال اليهودي والله ما سرقتها يا أبا القاسم (يخاطب النبي عليه السلام) ولكن طرحت على، وكان للرجل الذي سرق جيران يبرؤونه ويطرحونه على اليهودي، ويقولون يا رسول الله: هذا اليهودي الخبيث يكفر بالله وبما جئت به، حتى مال النبي (ص) ببعض القول، فعاتبه الله عز وجل في ذلك، فقال: «إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله، ولا تكن للخائنين خصيما، واستغفر الله أن الله كان غفورا رحيما، ولا تجادل عن الدين يختانون أنفسهم، أن الله لا يحب من كان خوانا أثيما»، ثم عاب القرآن المؤامرات في الخفاء وتبييت الشر للناس مع إحاطة الله بجميع أعمال عباده ما ظهر منها وما بطن، وبين أن الجدال أن كان له اثر في الدنيا حتى يستر جريمة أجرم فلن يكون له أي شان في ذلك اليوم العصيب، فقال تعالى، في شان المتآمرين بالشر: «يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون مالا يرضى من القول، وكان الله بما يعملون محيطا، هانتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا، فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة أم من يكون عليهم وكيلا» وفي هذه الآية ردع وتحذير لكل من يتآمر على الشر ويحامي ويدافع عن المجرمين، فمبدأ رعاية الحق ونصرة أهله وخذلان الباطل وأهله من المجرمين، وعدم الدفاع عنهم شيء أساسي في شريعة الإسلام، لا تقبل فيه مهاودة ولا مساومة، فالدفاع عن المجرمين في شريعة الإسلام مثل الشفاعة في الحدود الشرعية لا تجوز بأي حال، ومن جهة أخرى نجد الإسلام كما أمر المؤمنين أن يأخذوا حذرهم من الأعداء ويستعدوا لمجاهدتهم حفظا للإسلام أن يؤتى من الخارج، كذلك أمرهم بان يقوموا بحفظه في نفسه فلا يؤتى من الداخل، وان يقيموه على وجهه ولا يحابوا فيه أحدا، فالرسول العظيم أنصف اليهودي وقوفا مع الحق ورغبة في حفظه، فبين بذلك أن وجه العدالة الإسلامية لا يتغير أمام الموافقين والمخالفين، بل هو سواء يؤدي لكل ذي حق حقه كاملا غير منقوص، وعقب هذا التوجيه السامي ذكر الله وجهة الإسلام في المناجات والمؤمرات فقال: «لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة